مؤلفات الكاتب الميلودي شغموم
الميلودي شغموم،
أستاذ التعليم العالي، فلسفة، متقاعد، بعد 39 سنة من التدريس، يحمل
دكتوراه دولة في الأدب، دبلوم دراسات عليا في الفلسفة، شهادة الدروس المعمقة في
الفلسفة، إجازة في الفلسفة، دبلوم تدريس الفرنسية بالثانوي، ومن مؤلفاته المنشورة
في شكل كتب:
في القصة:
أشياء تتحرك، مطبعة طنان، الدارالبيضاء، 1972
سفر الطاعة، اتحاد الأدباء العرب، دمشق، 1981
في الفلسفة والنقد:
الوحدة والتعدد في الفكر العلمي الحديث، دار التنوير، بيروت،
1984
المتخيل والقدسي في التصوف الإسلامي، منشورات المجلس البلدي،
مكناس، 1991
تمجيد الذوق و الوجدان، دار الثقافة، الدارالبيضاء،
1999
المعاصرة والمواطنة، مدخل إلى الوجدان، منشورات الزمن،
الرباط، 1999
في الرواية:
الضلع و الجزيرة, روايتان، دار الحقائق، بيروت، 1980
الأبله والمنسية وياسمين، المؤسسة العربية للدراسات و النشر،
بيروت، 1982
عين الفرس، دار الأمان، الرباط، 1988، الطبعة الثانية، 2005 ،
الترجمة الفرنسية، ولادة، الدار البيضاء، 1993
مسالك الزيتون، منشورات السفير، مكناس، 1990
شجر الخلاطة، مطبعة المحمدية، 1995 ، الطبعة الثانية،
دار الأمان، الرباط، 2000
خميل المضاجع، مطبعة المحمدية، المحمدية، 1997
نساء آل الرندي، دار المناهل، الرباط، 2000، جائزة المغرب
للإبداع، اقتبس منها فيلم تلفزي، ترجمت أجزاء منها إلى الألمانية والإسبانية.
الأناقة، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2001
أريانة، المركز الثقافي العربي، بيروت . الدارالبيضاء، 2004
الأعمال الروائية، 3 أجزاء، وزارة الشؤون الثقافية، الرباط،
2005
المرأة والصبي، دار الأمان، الرباط، 2006
فارة المسك، الريشة السحرية، مكناس، 2008
بقايا من تين الجبل، دار الحوار، اللاذقية،
نماذج من نصوصه
1 ـ قصة: الهـدهـد
(
من مجموعة الظل و الطلمة التي لم تنشر بعد في كتاب)
"الهدهد – نفعنا الله
وإياكم بفضائل الإنسان والحيوان –كثير الفوائد خاصة قلبه وريشه ومصرانه
وعينه ومنقاره وذنبه ودمه ومخالب رجليه ولسانه وجلده ودماغه … ماذا تبقى!؟
كل شيء فيه!
وهكذا، وعلى سبيل المثال فقط،
فإن عينه إذا علقها المرء الكثير النسيان ذكر ، وأكل قلبه نافع جدا للحفظ والذكاء
، وحمل منقاره يقي ضياع
الأشياء ويمنح "القبول" لدى
علية القوم ، وجعل لسانه تحت
لسان الإنسان تقضى به جميع الحوائج ولا ترد، والذي يريد أن يغلب ويظفر بما يريد عليه أن بحمل بعض ريش الهدهد، والذي يريد أن يطاع
ينبغي أن يطعم المطيع دماغ
الهدهد، والمكان الذي تريد تخريبه علق به ريشه، والحمام والدجاج وغيرها من الحيوانات التي ترغب في حفظها من الآفات بخر مكانها بمخه، ومصرانه
مفيد جدا ضد النزيف
والدمل"… يقول ذلك الذي وسط
الحلقة، كل يوم اثنين، ممثلا دور المهرج و العطار ثم يضيف: "الهدهد كله
فوائد ورقى خفية لمن يعرف الاستفادة منها !…" ثم يتدخل صاحبه المجذوب الذي يدخل و
يخرج في الكلام:"ربما لهذه الأسباب يفتننا الهدهد وتضطرب فينا خلايا كثيرة
عندما نراه معلقا في حانوت عطار أو محلقا في فضاء أو مستريحا في خربة.ثم إن الهدهد
يأكل الدود !الدود والحشرات… الدود،
إيه! الله على بلقيس لما
كشفت عن ساقيها ظانة أن الزجاج ماء… وصويحبات زليخة اللآئي يقطعن أيديهن!؟ يا يوسف... إن الجمال، الجمال، إن الجمال نقمة …اختبار … كما الملك يا
سيدنا سليمان ! إن الهدهد أبو
الأخبار ودليل سيدنا سليمان إلى الماء …والسبب في أن
ترفع بلقيس عن ساقيها الثياب… فتنة بلقيس وامرأة العزيز !...كل شي من
الهدهد:بلقيس وزليخة... و يوسف وسيدنا سليمان !…
كان الولد يهيم باحثا عما يشغل به
نفسه … حول السور،
يدور!
باستثناء ناحية السور الشرقي ، توجد حفر كثيرة، في كل النواحي الأخرى، متفاوتة العمق والاتساع كانت تبدو لنا ، في سن الخامسة
، ككهوف عظيمة مليئة بخلق عظيم من الإنس والجان … تعطي
هذه الحفر الانطباع بأنها أطلال مدينة قديمة بنيت فوقها "الركادة" وقد يكشف التاريخ ذات يوم عن بلقيس " تامسنا"… فبلاد
بورغواطة أطلال فوق أطلال، ليس لهل ح و لا قرار! …
أما هذه الحفر
الخنادق فإنما نتجت عن
استعمال التراب والحجر في بناء السور، وربما فكر القائد في أن تبقى
بذلك الشكل لتكون وسائل دفاع طبيعية لتعزيز دور السور …أو للتستر عن
أسرار: وفي هذه الحفر من
الأسرار الشيء الكثير … فيها تقع غرائب الأمور بين إناث وذكور … بين
حيوانات وذكور … بين
ذكور وذكور، بين الإنس والجان…في الواقع
والخيال... والله أعلى وأعلم بمثل وغير هذه الأمور!….
كم كنت أخاف منه
لأنه الوحيد الذي يعلم أني حفظت سورة النمل في هنيهة بسبب بلقيس كما حفظت سورة يوسف بسبب امرأة العزيز … أيصبح المرء فاسقا في الرابعة من العمر !؟… لقد
صليت تلك الليلة عشرات الركعات: كيف أستطيع حفظ سورتين من القرآن الكريم، في تلك السن،
وبكل تلك السرعة ؟ النساء...البراءة! والهدهد؟
كنت أعلم أنه الوحيد الذي يعلم أني بعت الهدهد أكثر من عشر مرات … نفس الهدهد !… في طفولتنا
أشياء معجزة … ملغزة … طافحة بالبهجة في نفس الوقت!
ذات يوم من أيام الصيف، والسراب قد لبس حقول الشاوية حتى بدت وكأنها
استعادت البحر، طردت من بيتنا بعد الغداء:
ـ اخرج تلعب مع
اقرانك!
للكبار أحيانا تصرفات مفضوحة، من كثرة ثقتهم في أنفسهم، أو من كثرة
تسترهم عليها!
توجهت نحو السور أبحث عن ظله و عن دراجاتي الصغيرة، التي
كنت أصنعها بنفسي من السلك والأسمال، فإذا
بي ألمح ثعبانا، ساهدا في هدوء، تبرق ألوانه الممتدة فوق السور، بينما تتدلى رأسه الحادة في اتجاه أرض المدخل التي تبعد عن أعلى السور بحوالي خمسةأمتار… كثيرا ماحلمت بمثل هذا الثعبان … بالعشرات … تعضني …تفترسني،
ترعبني، تقض مضجعي، ليلا دائما، وكثيرا بالنهار، حلما أو يقظة!
ملأت قبضتي بحجر أملس ، ولكن صلب، يشبه "التيمومة"
وفتحتها في اتجاه الثعبان… في أقل من رمشة عين سقط على الأرض محدثا صوتا وكأنه جمل يسقط من السور … كنت قد أصبته في رأسه!… انتظرت أن
يهمد… وحين
حاولت أن أتحرك في
اتجاهه لم تسعفني قدماي… حتى
ظهر أحد أترابي... وجدني مسمرا في مكاني أتصبب عرقا كأنه ماء "
سروالي"… نظر في اتجاه
عيني … وجد عود قصب… ظل يجس جسد الثعبان من كل الجهات … فلما تيقن انه ميت جره من ذيله وذهب يبحث عن أصحابه ليحكي لهم كيف قتله!…
أصبح الولد منذ ذلك اليوم قاهر الثعابين … ينظم عصابات للبحث عنها في غيرانها، بعد أن صار له من
الشجاعة والإقدام ما لم يكن له، ولا لغيره، في يوم من الأيام: بطل، أو سجين،
أكذوبة، أو صدفة للكذب!
أما أنا فقد استبدت بي الدهشة ولم تفهم أمي لماذا بت أهذي واهب مذعورا، أحيانا كثيرة، من مرقدي طيلة بقية اليوم والليلة !… لم أجرؤ قط
على القول بأني قتلت الثعبان … أنا نفسي لم أصدق نفسي !… فظلت الأسوار
والغيران مليئة بالثعابين !
لذلك يوم "أخطأت"الاتجاه نحو الكتاب وقصدت الحفر وحدي كنت خائفا من الثعابين رغم أن الوقت ربيع … ربيع "الشاوية" ليس له مثيل… ربيع الصبا... تدخل حقلا أو مرعى فلا ترى إلا السماء فوقك… لا شيء حولك … تسمع فقط
أصوات البهائم والناس والطيور والحشرات…كأنك غارق في
بحر الألوان والأصوات... لغط وغناء… ونداء... أين
ذهب كل هذا الجمال !؟
والنباتات التي كانت
تغطي قامة أطول الرجال!؟ … يا
لطول وخصب قمح وشعير ونوار ذلك الزمان، يا نور !… بلعمان !… ما زلت أسمع صوت السمان : مط مرمط… مط..مرمط… مط مرمط … فكيف لا تضرب
عن حفظ سورة لوط وامرأته، أتساوي هذه المرأة، امرأة لوط، شعرة، شعرة واحدة، من
بلقيس أو زليخة!؟…وألوان الهدهد، ورشاقته، سواء حط أو طار!؟ … بلقيس … كل الهداهد
تبحث عن بلقيس، كما كل النساء تبحث عن يوسف !…
لمحته حاطا على ربوة زاهية وسط الحفر …
ـ هذا هدهد
سيدنا سليمان!
يحرك رأسه بخفة
عجيبة … يتقدمه
منقاره وتعلوه قبعته…كأنه يترقب
بلقيس!
ـ الماء!
… لقد جف جسدي
وتخشب… رميته
بحصاة فسقط من علوه في حفرة
يفدفد! … لم
أفكر في الثعابين إلا عندما
أمسكته بين يدي الاثنتين… وبقصديرة،
كنت حولتها إلى سكين، فتحت الصدر، فالتهمت القلب، ثم فتحت الرأس فالتهمت المخ ثم قطعت اللسان ورميته تحت لساني…
ـ هذه الأشياء ينبغي أن تستعمل طازجة وساخنة لكي يكون لها مفعول قوي وفوري ! وهكذا تأكدت من أنه،
منذئذ، لن يغلبني أحد في حفظ القرآن والحكايات ولا
في الشطارة والدهاء… تأكدت من حسن
طالعي … سأكون من أهل
" القبول" ...
ـ حظوتي لدى
النساء لن تضاهيها حظوة!
بعد أن تيقنت من أن لا
أحد يراقبني وضعت بقية الهدهد في قب جلابتي واتجهت نحو البيت لأعرض خدماتي السحرية على والدتي …
في منتصف الطريق
اعترضتني العجوز… قالت لي مهددة :
ـ ماذا في
قبك؟... من أين هذا الدم!؟ ...قتلت أحدا!؟
هذه المرأة منذ
قتل زوجها ثور وهي تعيش في الحفر وقد تماهت بالحفر الواقعية والخرافية حتى أصبحت مثلها: المرأة الحفرة! امرأة خرافية،
ترابية، بشرتها ذاتها وألوانها
بشكل الحفر وألوانها: جرانة
بورية ضربها حنش سكران!
كيف تخاف إذن من الضفادع والثعابين!؟ ولم ينبغي أنا أخاف منها كذلك
كبقية الأطفال!؟ أنا
معي هدهد ، في دمي قلبه ودماغه وتحت لساني …لكنها
فاجأتني:
ـ ادي الهدهد لامك ولا تعطه لغيرها !
وهربت إلى البيت … كانت
أمي تقلب خبزتين في الفران… مددت إليها
يدي بالهدهد:
ـ أ ِش هذا، ألمسخوط !؟
ـ هدهد !
ـ لاش !؟
ـ مزيان… ينفع في شلة
حوايج، ومذكور في القرآن، بخير!
لم أفهم كيف أصبت بالغباء آنذاك إلى درجة أني لم أنتبه إلى
العصا التي كانت تقلب بها الخبز وتذكي بها النار إلا عندما نزلت العصا على رأسي:
ـ بغيتي بوك تولي سحار من صغرك… ينعل… باللاتي … انا غادية
نسالي لك !
كانت أمي كأغلب النساء في
ذلك الوقت متقلبة المزاج :
مرة وديعة وحنون ومرة هائجة وعدوانية كأنها امرأتان مختلفتان بشكل تام وحينما تكون في حالتها الأخيرة هذه فإن علي أن أختفي لوقت طويل كي لا أؤدي مكان هذا "
المذنب"، الأحمق، الذي يسكنها ولكني لا أعرفه و لا أفهمه!… لما حضرت أول
"جذبة" وشاهدت النساء يضربن أنفسهن بالسياط على نغمات عيساوية اعتقدت
أنه بداخلهن وأنهن يخرجنه
بالضرب!…
الحمد لله على أن الوقت لم يكن ليلا ! عما قريب سينادي المؤذن إلى
صلاة الظهر... حقول "الشاوية" مليئة بالنداء، و بالغذاء، طوال السنة،
باستثناء فترة من الخريف؛ ألا يقولون إن أهل "الشاوية" يكدون خلال ثلاثة
أشهر ، متفرقات، من السنة وأنهم يسبتون، في أكثر الخريف وأكثر الشتاء، يتنزهون
ربيعا، ويجنون صيفا؟ رقم حظك إذا ولدت وتربيت في هذا المكان: ثلاثة!
وثلاثة أرباع النباتات البرية تؤكل، تؤكل طازجة.وأنا معي مقلاعي
وفخي... يكفي أن تقلب بيدك الأرض المبللة لتجد دودة تضعها في الفخ… نصبت الفخ
بعناية وأخذت أبحث عن "تافغة" ملأت منها قبي ثم وجدت أرضا يابسة غير بعيدا من الفخ فجلست وبدأت أقشر
"تافغة"... أكلت حتى شعبت وأسست بأن أمعائي نظيفة تماما ثم استلقيت على
ظهري وشرعت في تأمل
السماء والاستماع إلى
"الصمت" الضاج بكل الأصوات وحين فرغت تماما من متاعب الصباح، ومخاوفه، تذكرت الفخ... وجدت به
قبرة لا تزال حية فربطت القبرة بحزام سروالي إلى جانب الهدهد. بحثت عن دودة ونصبت الفخ من
جديد. قبيل العصر كنت قد اصطدت ثلاث قبرات لم تعد بي أية رغبة في أكل اللحم ، بدأت أشتهي سمكا !…
ـ واحد الشابلة بايتة طايبة، باردة! ا
رتديت جلابيتي وذهبت
إلى العطار الذي يشتغل بقالا وساحرا في نفس الوقت :
ـ تشري من عندي واحد الهدهد !؟
تفحصني بخبث من رأسي إلى أسفل قدمي الحافيتين
ـ وريني نشوف !
كشفت عن هدهدي وقبراتي:
ـ فين المخ … والقلب… واللسان!؟
تذكرت لسان الهدهد الذي قد أكون أكلت بقيته مع ما أكلته من تافغة أو بصقته مع غضبي من أمي :
ـ هذا الشيء اللي اعطى الله … تشري!؟
تظاهر بالزهد :
ـ لا، أولدي… وحيث بوك
صاحبي غادي نعطيك فيه حلوة
بالعود!
لم تكن تلك المرة الأولى التي أبيع فيها وأشتري بشكل يتطلب مساومة ذكية ، لكن اقتراب الليل بدا يدفعني إلى الزهد في الهدهد أو التخلص منه خوفا من أمي :
ـ شوف… اعطيني بواطة ديال السردين وخبزة والله يربحك !
ـ هاوه!
كان واثقا من أنه يستطيع
أن يضحك علي… شعرت
بالإهانة وأطلقت أسفل جلابيتي نحو قدمي وابتعدت عن باب الحانوت بلا وجهة وأنا أردد:
ـ لن يستغفلني أحد
!
وجدتني أجري ، حين سمعت
صوت امرأة يناديني غير بعيد من العرسة :
ـ انت ولد حادة !
ـ إيه، ألاله!
ـ اعرفتني؟
ـ خالتي رقية امراة عمي المعطي!؟
ـ يرضي عليك، أوليدي … راني شفتك
عند هذاك السحار ولد لحرام… امشيت نشري
أسبرو لخوك إدريس… !
ـ مالو مسكين!؟
ـ مريض أوليدي …الله ينجيك، كيموت… وكيف شفتي،
عمك المعطي ما كاينش … امشى لخزازرة… إوى كالوا لي
خاصو راس اديال الهدهد ياكلو مع لعسل الحر… لعسل عندي… والراس منين،
منين نجيبو!؟
حدست أنها تحتال علي :
ـ كاين الراس، آمي رقية … أشحال تقدري
تعطي فيه !؟
أرادت أن تستمر في
الاحتيال:
ـ إوى، أوليدي، الغالب الله … ماعندي
فلوس وعمك المعطي …!
أنا أعرف أنها تربي دجاجا وأرانب وديكة رومية كثيرة :
ـ شوفي آمي رقية … كل شي بثمنو
في هذا الوقت… اعطيني دجاجة نعطيك راس الهدهد!
بدت وكأنها تبكي … من أين تأتي بكل هذه القدرة على على تمثيل أدوار البؤس المطلق!؟ معروفة بذلك هي وزوجها… إدريس أيضا نسخة من أمه:
ـ الدجاج، أوليدي،كامل كالتو
الكافرة بالله، فارة الخيل !…
ـ إوى وقنية و…!؟
ـ تسرقت…علاه ما
في راسكمش !؟ سرقوني عديان الله!
ـ خلينا، آمي رقية، من البهوت!… اشحال تعطي!؟
ـ والله العظيم أوليدي … إلا كذبت
لهلا… بالحق عندي
شي بيضات …نعطيك بيضة!؟
ـ بيضة!؟… تعطيني عشرة
!
ـ ما عنديش أوليدي … عندي
غير خمس بويضات ؟
ـ ما كاين باس… اعطيني غير دوك الخمسة!
ـ أوما بزافش عليك!؟ وخوط ادريس، آش ياكل وهو مريض؟
ـ أمي رقية … راه
غير على وجهك ووجه
إدريس … واش أنا
اعطاوه لي فابور !؟… حتى أنا
راني خلصتو!
ـ وانا غادية نعطيك ثلاثة… خلي جوج لخوك إدريس راني ما عندي ما نوكلو!
ـ أري دوك الثلاثة!
ـ أعطيني الراس
واتبعني للدار!
وكأنها أحست بأني أدركت أنها م ما زالت تحاول الاحتيال علي أضافت:
ـ شوف … وأنا
راني غادية ندعي معاك… ونرسلك عند
صاحبتي !تبيع ليها القلب!
أمام مدخل الدار أخرجت قصديرتي وقطعت رأس إحدى القبرات.سلخت الرأس
بسرعة! قالت رقية، وهي تطل علي من نصف الباب المشرعة:
ـ أرى الراس!
قلت
ـ أري البيض !
ولما أمسكت يسراها بما في يمناي ويسرايا بما في يمينها صرخت أنا :
ـ بيضة وحدة !؟
همست لي:
ـ اسكت… اطلق… عمك المعطي
فالدار!
وكأنهما مثقفان
على المكر جاء صوته مهددا:
ـ أشكون، أرقية!؟
صرخت:
ـ ناري، اهرب!
فهربت بالرغم من أنني كنت أعرف أن الأمر مجرد حيلة، لم أكن خائفا من المعطي، كنت خائفا من أمي … وكنت حانقا
على أمي :لماذا تظن دائما أن
الزمن قد يضحك على !؟ سأنتظر
طويلا قبل الإجابة عن هذا السؤال … لكني وأنا أتاجر في "الوهم "، وأنا أضحك على
أولئك الذين يعتقدون أنهم يضحكون على، كنت كلما ربحت صفقة أقول في نفس:
ـ انظري جيدا، اطمئني !
وكنت بطبيعة الحال أخاطب أمي …!
وهذا الهدهد الذي ضربتني من أجله، واحتقرتني، لم أبع منه شيئا:
لقد زرعت في جسده، عندما بدأت العتمة، قلب قبره ومخها ولسانها ثم وضعته على غصن
شجرة وقلت له:
-أش، طر!
لقد بعت أجزاء والقبرات كلها على أنها إنما أجزاء هدهد : لقد حاولت أن أستغفل أطفالا ونساء كانوا بدورهم يستغفلونني لنيل شيء من الهدهد!
سيتقدم بي العمر وأكتشف أن هذه خاصية بشرية، ربما الخاصية
الحقيقية التي تميز الإنسان عن الحيوان: الاقتتال من أجل الوهم والكسب بواسطة الهم
!
أما الهدهد فإني عندما كنت متوجها في الصباح الباكر إلى الكتاب مررت بالشجرة أتفقده فلم أجده: لقد طار بكل تأكيد!
غير أن يوم الهدهد لم يتوقف عند هذا الحد ، بل إنه لم يبدأ كما حكيته: لقد
نسيت البداية الفعلية
:الفرخة !
أول البارحة عدت
إلى البيت بعد تسكع طويل، ومتعب لكثرة خيبات أملي في الطيور
والنباتات، عدت قبيل المغرب
بقليل وبي رغبة واحدة : آكل أي
شيء وأرتمي في أي مكان لأنام!
كانت أمي تحاول أن تشعل النار بالفران وأخي الأكبر يلهو بالحصى غير بعيد منها (لقد تعودت على ألا أخطئ
وقت طهي الخبز لأني كنت أحب الرغيف الساخن المرشوش بالحليب !) سألتني أمي سؤالا لم أكن أتوقعه :
ـ ما شفتيش بوك!؟
خفت أن تبعثني للبحث عنه :
- امش لدار القايد … شفت
شلة بنادم براني داخل لدار القايد… عندو الضيوف… ولحوالة بزاف
يذبحوا!
تورطت في كذبتي الساذجة، غير المحسوبة:كان معنى ذلك أن والدي سيعود بلحم كثير، خاصة السلابات!
غير أني لم أنتبه إلى هذا الأمر ربما بسبب التعب: أنا عادة أكذب بشكل
أذكى، أما هذه الكذبة …. أكلت رغيفي الساخن المرشوش بالحليب ونمت لاستيقظ مذعورا بعد
هنيهة على صراخ أمي وضرباتها :
- نض، آبو نوارة … آلمسخوط..أطاير
الموت…!
كل النعوث… عندما تكون
في هذه الحالة يكون العفريت الذي بداخلها قد تسلح بكل جبروته!
كان أخي الأكبر مني بسنتين يرتعد ويبكي … ظننت
أنه يحتضر!
حين تعبت أمي من ضربي وشتمي
أعطتني ريالين :
- طر، جيب الزيت…إلا تعطلتي بوك نقتلك!
كان علي أن
أعبر العرسة، الكثيرة الأشباح
والجن، في العتمة لأصل إلى الحانوت الوحيد الذي يظل مفتوحا حتى آخر وقت من الليل : حانوت
ولد السي الجيلالي المعروف
بالسكايري!
كم صادفت من
الجن تلك الليلة ! الحمد لله : لقد كنت أحفظ نصف القرآن
!… والجن تعرف
أني لا أعتدي على أحد… إلا على من
يظلمني ويكون السباق إلى الشر!
اشتريت الزيت وقفلت راجعا… لمع البرق
مرات عديدة: في كل مرة يلمع فيها البرق، كنت أرى ريالا على الأرض! لم أفهم في
البداية لماذا لم يلمع البرق في طريق ذهابي إلى الحانوت، لماذا لم يلمع إلا في
طريق العودة: ابن خالتي سيشرح لي ذلك:
- إنه اعتراف من الجن برجولتك وصدق طويتك ودليل أمان منه !
وحكى لي بتفصيل، كأنه كان معهم، وطيلة ساعات، عن الحفل البهيج الذي
كان قد أقامه الجن تلك الليلة لتأكيد طاعته لسيدنا سليمان، وتجديد البعة، كان
حاضرا معهم طوال الليلة!
ـ وهذا هو السر في كثرة حركتهم التي شاهدتها وأنا ذاهب لأشتري الزيت
!…
وضعت زجاجة
الزيت في متناول والدتي التي كانت منهمكة في غسل طجين صغير فأمرتني بأن أمسك بالكتكوتة السوداء وبأن أذبحها وبأن أريشها وبأن أغسلها وبأن أقطعها أطرافا وبأن أتجنب كسر أي عظم من عظامها !…
لما اكتمل الطبيخ وضعته أمي أمام أخي الذي كان قد
توقف عن البكاء والارتعاش … التهمه كاملا
في رمشة عين … أما أنا فقد
أمرتني أمي بأن أجلس بعيدا عن الوجبة … لم أنل منها سوى الرائحة !… وأتم أخي
زردته فاستلقى في مكانه ونام فصاحت أمي في وجهي:
- نوض، نض تنعس الله يعطيك جن، جن
اكحل يهنيني منك !
تظاهرت بالنوم حتى انتهى والدي من صلاته وترتيله للقرآن فتسللت خارج
البيت وذهبت عند ابن خالتي الذي يحفظ مئات الحكايات الغريبة ويعرف أسرار الإنس
والجن .فلما انتهى من رواية وقائع الحفل الذي أقامه الجن لتأكيد بيعته لسيدنا
سليمان عدت إلى البيت ممتلئا بهجة وعلما فلم يطل انتظاري للنوم...وهناك... في
مملكة سيدنا سليمان، رأيت سليمان يمسخ الهداهد، واحدا واحدا، ليحولها إلى كتاكيت … ملايين
الهداهد أصبحت كتاكيت!
حكيت حلمي لابن خالتي ورويت له قصتي مع الهدهد والقبرات فقال لي :
ـ ما ضربت كان كتكوتة …أما القبرات فكانت هداهد… وإنما شبه لك… كذلك يحفظ
الله من عباده من يشاء !
وأنا لم أشك
قط في حكايات ابن خالتي ولا في حكمته إلا عندما بدأت أؤلف... … إلا عندما
بدأت أؤلف حكاياتي بنفسي:
القبرة هدهد، والهدهد كتكوتة، وقد تكون الهداهد ريالات: أنا أكسب الريالات، مع
الجن، لأني أعرف كيف أصيب الثعبان والهدهد
بضربة حجر واحدة، وأخي يأكل الكتاكيت من يدي أمي، لأنه يعرف كيف يبكي وكيف يجعلها
ترق وتحن!
2 ـ فصل من رواية" بقايا من تين الجبل"
(صادرة عن دار الحوار، اللاذقية، 2009)
الكُوطة الصغيرة
أفطر. المحمدية. دار قرب
الميناء. بهو الدار حيث تجري الحياة الجماعية لعائلة الشيظمي باستمرار على إيقاع
محمد عبد الوهاب وبوشعيب البيضاوي. أنا جالس أفطر، تستيقظ " الكُوطة"
وتطل علي، من باب البيت، وأنا لا أزال في البهو، قائلة تسبقها ابتسامة ماكرة:
ـ صباح الزين اللي يزيد
فالعمر، ألعمر!
أرد في أدب، وجد غير
مصطنع:
ـ صباح الخير، الكُوطة!
تتفحصني بنفس الابتسامة،
وتقول، قبل أن تختفي في المرحاض الذي هو كذلك حمام:
ـ اللي حلم وما تذكر يصبح
الصباح يشوف، ويتفكر...وقل خير وسلام!
ـ خير و دوام!
أحبت دائما أن نناديها
ب"الكُوطة" لأنها، تقول، تذكرها بجدتها
"الكُوطة الكبيرة" الشهيرة بغراماتها الكثيرة. تصغرني الكُوطة بستة أشهر
فقط. إلا أنها لا تثير اهتمامي:
ـ
تبدو لي ميتة، قلت مرة لعزيز!
وتتعمد أن تخفي مفاتنها، على عكس أمها زيزة، في
ملابس فضفاضة، مفروكة:
ـ
كأنها مومياء نسيت، قرونا عديدة، في عراء الصحراء، أضفت لعزيز!
وشعرها، الملفوف كاملا، و باستمرار، في فولار
ضخم، أبيض، مدعوك، باهت مشدود إلى الأمام، تشم منه بقوة رائحة الزيت البلدية
والعرق، فتبدو أكبر سنا وأقل جاذبية من زيزة:
ـ مع أنها، تابعت مع عزيز لأرفع عنها تهمة
القذارة، تستحم كل يوم!
هذه
بنت زيزة. غير أن زيزة تصر على حبسها في البيت وفي تلك الملابس الباهتة، المدعوكة،
الواسعة، كأنها لاتريدها أن تظهر كامرأة، أولتبقى زيزة المرأة الوحيدة في البيت،
وقد لا تريدها أن تتزوج لتظل مثل الخادمة. الجميع يعرف ذلك وقد يهمس به أو يجهر،
خاصة الخالة حليمة. والكُوطة مستسلمة لهذه اللعبة مع زيزة.
والكُوطة، في بداية الأمر، لم ترفع بصرها قط
نحوي. ربما تحلم أحلاما تقليدية، أو عائلية، بشأني. وأنا محترس. وكم رددت الخالة
حليمة في همس مجهر، لعلي أسمع:
ـ
الكُوطة للمفتش لو يرى، أيها الراقدون تحت التراب!
فترد
عليها زيزة في خبث مفضوح:
ـ
يطير الطاير حتى يعلي والرامي يجيب عمرو!
وما رأيت ولا سمعت طوال ما يقرب من السنة، كل
تلك المدة:
ـ
نماذج أخرى للنساء في رأسي، أبرر لعزيز الذي يحضني على نفس الأمر!
تدمن زيزة على مواسم الأولياء وتمكث،
عادة، في الموسم الواحد من أوله إلى آخره، لكن مواسمها المفضلة أربعة فقط: الهادي
بنعيسى، ومولاي ابراهيم، ومولاي بوعزى، ومولاي بوشعيب الرداد. هذه المواسم الأربعة
يستحيل أن تتخلى عن أحدها مهما كان الأمر.
لا أريد أن أذكر كل ما يتردد من كلام فاحش حول
أسبابها السرية للمشاركة في هذه المواسم. لكني لم أفهم هذه المرة لماذا ذهبت إلى
بويا عمر. المهم أنها ذهبت إلى هناك لتمكث أسبوعا أو أكثر، حسب قولها، أي حوالي
نصف شهر. ولقد افتقدت جسدها، خلال الليالي الأربع الأولى من غيابها، إلى درجة أنني
فقدت القدرة على النوم :
ـ
يظهر أني تعودت على أن يرخيني جسدها المكتنز، الناعم، الحار، السخي قبل النوم،
وعلى كلامها الذي تبدأ به عصر جسدي:
ـ
ياك بوك، يحسب لك أنا أمك بالصح، مص الحليب...وها لعسل...ها الشراب، ارضع...مص،
بوك، كل زيزة!
ـ
التعود على المحرم، يشرح عزيز، أو يبرر، يقتل النفس!
في الليلة الخامسة، على غياب زيزة، سبقتنا
الكُوطة إلى النوم ثم تبعها الشيظمي، زوج زيزة، بعد نصف ساعة. رمى بالكتاب، "
الرحمة في الطب والحكمة"، من يديه فوق المائدة الخفيضة وقال لي:
ـ
أتركك مع حساباتك، أنت تجمع وهم يسرقون، ترفق بنفسك، غدا الأحد، تصبح على حساب!
ابتسمت له بصعوبة لكنه كان قد استدار جهة
باب غرفة نومه:
ـ
أشك في أنه لا يعرف، الأمر الذي يعذبني أكثر!
إذا كان يجهل ما يجري على سريري وهو نائم فإن
أمري، إذا ظهر ذات يوم، لن يتعدى الفضيحة، لكنه إذا كان يعرف، ويتظاهر بالنوم، أو ينام
نوما هادئا مع ذلك، فإني لن أفلت من العار، من فيض هذا الشعور بالخزي الذي أصبح يلبسني بمجرد ما
تغادر زيزة فراشي. لماذا قبلت هذا الوضع المذل في كل الأحوال؟ أسأل زيزة:
ـ
هل يعرف؟
فتضحك من عينيها:
ـ
شغلك، بوك؟ خذ زيزة، واسكت!
ثم
تضمني بعنف لا يتصور:
ـ
وليدي خايف... مسكين... بوسني، بوسني في البزولة، راس البزولة، أوليدي، بوس يلعن
بوك، ألجن!
بعد أقل من ساعة جمعت وثائقي في حقيبتي و
تسللت إلى فراشي ثم أحسست بزيزة فوقي وأنا أعرف أنها في بويا عمر. انتابتني موجة
حادة من الغضب والإحساس بالذل فقفزت من الفراش وأنا أردد:
ـ
كفاك خزيا، ضع حدا لهذا الشطط، أيها المهبول!
لكن الجسد الذي رميت من فوقي كان حقيقيا:
ـ الكُوطة!
وصرخت:
ـ
ماذا تفعلين هنا؟
كانت تبكي:
ـ
لا تصرخ هكذا، إنك ترعبني، رجاء لا تصرخ!
وصدقتها فكففت عن الصراخ، وربما أكون فعلت ذلك
فقط خوفا من أن يستيقظ الشيظمي وتكتمل المهزلة:
ـ إذن اخرجي!
وخرجت تبكي.
ـ
هذه مؤامرة، قلت في سري. تغتصبني الأم ثم تتركني للبنت، ماذا أستطيع أن أقول
للقاضي إذا ذهبت البنت تشتكيني بتهمة الاغتصاب، أو فض البكارة، وجاءت الأم تشهد
ضدي:
ـ
سيدي القاضي، فعلها معي قبل أن يفعلها ببنتي؟
بمن
سيزوجني القاضي في هذه الحالة، بالأم أم بالبنت؟
ـ
الشنق، أو الرجم، مصيري!
وتذكرت كل الحكايات التي لا تصدق، بهذا الصدد،
والتي راح ضحيتها العديد من شباب ذلك الوقت والحروب العائلية، أو القبلية، التي
كانت تنشب حول هذا الأمر:
ـ
لم أكن بعد قد سقطت في هذا الفخ، صححت لعزيز!
أمسكت برأسي بين يدي وأخذت أبكي، ندبت حظي،
وشتمت سذاجة، أو تواطؤ، أمي:
ـ
كان من الممكن أن أسكن وحدي، أستدين في انتظار تصفية الوضعية، وأسكن في أية خربة،
ولماذا لم أسكن مع زملائي، أولئك الذين نجحوا معي في نفس مباراة توظيف مفتشين
مساعدين في المالية؟
منذ شاهدت زيزة تدخل إلى بيتنا لأول مرة أدركت
أنها من أولئك اللائي حولهن والدي إلى قصيدة ليهرب منهن، ليحرر نفسه من العذاب، أي
عذاب تسببه امرأة للورع أو الطهارة أو الغفلة أو المثالية:
ـ
ليتني أستطيع أن أكتب قصيدة واحدة مثلك تحول زيزة، أو أية امرأة أخرى، إلى وحش
أليف!
وكنت جالسا جنب أمي أساعدها على عزل الصوف حين
دخلت فجأة وأخذت تنظر إلي طويلا قبل أن تسلم على أمي وتقول:
ـ
زين، ولد محسون، عوضك الله على لبنات ولولاد، و شبه بوه، سبحان الناطق الخلاق!
وجلست
القرفصاء أمامي وهي تخرج ثديها السمين:
ـ أنت من الآن ولدي، كما أنت ولد أمك، ارضع
حليبي، باسم الله عليك!
تقززت
لكن أمي أمرتني صارمة:
ـ
قل باسم الله على ما قسم الله، وارضع، الواحد مزيان تكون له أكثر من أم في هذا
الوقت، أمك زيزة سخية، وحنينة، ومن دمنا، بنت الناس، ارضع، أوليدي، واشكر الله!
لم
أجد أثرا للحليب في حلمة زيزة:
ـ
ولا نقطة واحدة، أخويا عزيز، قسما بالله العظيم!
وثديها كان صلبا ويابسا:
ـ
مثل رأس الصخرة، والله، أخويا عزيز!
وأردت أن أقول ذلك لأمي لكن زيزة اختطفتني من
مجلسي وضمتني ضما خانقا وهي تردد:
ـ
كل شي بالنية، انوي الخير توجد الخير، توجد لعسل في حليب أمك الثانية، وتشوف اللي
ما يشوفو عفريت و لا جن اكحل!
ـ
قالت لي أمي، أخويا عزيز: بلت في سروالك، ألخواف!
وتخلصت
منها بصعوبة لأهرب إلى الخارج حيث بكيت حتى جف دمعي:
ـ
ظلت الحلمة اليابسة مغروزة في حلقي، لا أستطيع لا ابتلاعها ولا لفظها، مدة طويلة!
إلا أن أمي زيزة غمرتني بالهدايا والعطايا وكانت
تأتي ثلاث مرات في السنة لكي تأخذني معها من أجل قضاء العطل المدرسية صحبتها وبعثت
بي إلى المخيمات الصيفية وكانت سترسلني إلى فرنسا للدراسة الجامعية لولا الاختفاء
المفاجئ لأخت كانت لها هناك ولولا إصرار أمي، تحث تأثير نصائح الشيظمي، على أن
أصبح مفتشا مساعدا في المالية حيث ينتظرني مستقبل كبير، يزعم الشيظمي دائما، و قد
أتمكن من اللعب بالملايير، إذا أحببت اللعب:
ـ
اسمع نقول لك، آه، عندك تمشي تعمل كيف بوك، تعاشر لعزارى ويضحكوا عليك النسا
وينهبوك، تجلس مع أمك زيزة، واكل ، شارب، مصبن، ومحظي حتى للنهار فاش يجيك
الرابيل، ان شاء الله بحوله وقوته، ذيك الساعة يكون لي معاك كلام آخر، إوى كون
راجل واحزم راسك الله يرضي عليك ويحفظك، وراه كيف أنا كيف امك زيزة، تاهي أمك
ومرضعاك، طيعها واسمع لها كيف طايعني وسامعني الله يحفظك من بنات لحرام واصحاب
الوقت!
ليتها
تعلم بحالي الآن:
ـ
حتى في الفراش أقول لزيزة: أمي زيزة!
ـ
مرضي الوالدين، يسخر منير!
انتبهت
فجأة إلى أن الكُوطة تسد الباب بجسدها الملفوف في قميص نوم زيزة، نفس القميص الذي
جاءت به زيزة إلى فراشي أول مرة:
ـ
امرأة أخرى، حية وجذابة، تمثال بديع!
كانت تبتسم وعيناها غارقتان في الدمع ثم قالت:
ـ
لماذا أنت خائف مني بهذا الشكل، هل أنا مرعبة وقبيحة إلى هذا الحد؟
ـ
خائف منك؟
أضافت
وقد غطى ابتسامتها الخبث:
ـ
أنا لا أريد سوى أن أؤنسك!
ثم
تقدمت أكثر نحو الضوء.وظهرت لي فجأة في كامل فتنتها كأنما عينايا تفتحان عليها
لأول مرة أو كأنها تظهر لي لأول مرة: جسد منحوث بعناية، أبيض، نهدان منتصبان، سرة
غائرة وعجزة مليئة بلا اكتناز، وجه مورد، وشعر أسود فاحم ينزل ناعما حتى يكاد
يلامس الساقين:
ـ
كل هذا السحر كان ملفوفا في أسمال تشبه الثياب!
قلت لها حانيا:
ـ
تعالي أشرح لك!
وجلست
جنبي على حافة السرير كما جلست أمها من قبل لأول مرة:
ـ
ماذا تريد أن تشرح لي، علاقتك مع زيزة؟
وذهلت:
ـ
تعرفين؟
ابتسمت:
ـ
أنت بسيط، ساذج، أو أهبل، لكنك مسكين، من لا يعرف في هذا البيت؟
ازداد
ذهولي:
ـ
حتى الشيظمي يعرف؟
انفرجت
أساريرها تماما:
ـ
لا تشغل بالك به!
وأصررت:
ـ
هل يعرف حقا؟
لكنها
ظلت تبتسم وتقول:
ـ
لا تشغل بالك لا بالشيظمي، ولا بالسفناج، فكر في نفسك!
واستغربت:
ـ
وما دخل السفناج في الأمر؟
فقالت:
ـ
يبدو أنك مفتش حقيقي وليس فقط مساعد مفتش، لم لا تقتش عن سعادتك أولا في كل هذا
الحطام؟ هل تريد أن تجرب من الأحسن، أنا أو زيزة؟
قلت
لها غاضبا:
ـ
ولكن زيزة أمك!
قالت
لي ساخرة بلطف:
ـ
إنك بالفعل طيب ومسكين، زيزة ليست أمي، أمي الحقيقةحليمة، تلك التي نسميها الخالة
حليمة، وقد ربتني زيزة، منذ صغري، وأرضعتني، كما أرضعتك، من ثديها اليابس، فلا أنا
ابنتها بالرضاع ولا بالدم، كما أنك لست ابنا لها بأي وجه من الوجوه، زيزة تربينا
لتحلبنا، أو تلهو بنا، وتحلم بنا، تنشط أحلامها، عندما ننضج، ثم تسلمنا...وتبحث عن
ابن آخر أو بنت أخرى، لهذا الغرض ذهبت إلى بويا عمر، لتتخلص من كابوسك!
شدتني
كلمة "تسلمنا":
ـ
قلت"تسلمنا"، لمن ؟
اكفهر
وجهها قليلا:
ـ
أنا أسلمتني إلى السفناج!
آه،
السفناج؟
ـ
لكنه يكبرك بسنوات ضوئية!
ازداد
وجهها كآبة:
ـ
هذه إرادة أمي زيزة!
وتذكرت
سؤالي الذي غاب في الدهشة:
ـ
وأنا، لمن تريد تسليمي؟
ضحكت
حتى قلت لها:
ـ
حذار، فد توقظين الشيظمي!
فقالت:
ـ
على كل حال ليس للشيظمي، لو فكرت!
وشاهدت
خبثا كبيرا في ضحكتها التي أصبحت ابتسامة عريضة:
ـ
لك، طبعا!
اختفت
الابتسامة وهي تقول:
ـ
لم أكن أعلم أنك قد تفهم بمثل هذه السرعة، فما رأيك إذن: أبقى معك أم أنصرف؟
قلت:
ـ
إن الخزي حين يبدأ يتكفل الشيطان وحده بنهايته!
قالت:
ـ
وتعتقد، مثل بقية الرجال، أيها الرجل الساذج، أن الشيطان امرأة، بينما هو ذكر!
فكرت:
ـ
قد لا يكون زيزة، ولا أنا، على كل حال!
وكانت
قد تسللت كاملة إلى فراشي وهي تقول:
ـ
ماكاين باس، أسيدي، أنا الشيطان، عريني!
3 ـ نص فلسفي:
نظام المعاصرة
(المفاهيم)
ما معنى المعاصرة، الآن ، من منظور الزمن القائم ؟
فيم تختلف المعاصرة عن الحداثة، عن
العالمية، عن الكونية وغيرها من الألفاظ الرائجة في قاموس العربية الراهن ؟
يبدو أن هناك مفاهيم لا يستقيم معناها حقا إلا
من خلال التركيز على مستويين أساسيين من مستويات حضورها الكثيرة:
أ- المستوى الأول: الترابط فيما بينها
والتداخل ، أي النسق المفهومي الذي تنتمي
إليه و تتحرك في داخله .
ب- المستوى الثاني: تداولها على مستوى
المعيش الخاص والعام، أي كيف يتم تداولها في سلوك الأفراد و في سلوك المجتمعات .
من هذه المفاهيم: الكونية، الحداثة،
المعاصرة، العالمية، الجهوية ، المحلية و
جميع المفاهيم ذات الأبعاد الفكرية و النفسية والاجتماعية بصفة خاصة...
فلا سبيل إلى الخروج من الاغتراب الذي
نحسه تجاهها وفيها إلى شيء من الألفة، إلى
الاستئناس بها، على الأقل من ناحية كونها تصورات، إلا عن طريق الوقوف على معانيها
في التداول المعيش وعن طريق معرفة طرائق ترابط معانيها في هذا التداول، وهو الأمر
الذي يعني:
ـ التعرف
عليها ككل، من جهة .
ـ ووصل التصور بالسلوك، من جهة أخرى.
إذ الغالب
على علاقتنا بهذه المفاهيم، وبأخرى غيرها من مجالات أخرى مماثلة ، لا يعدو ثلاثة
أوجه :
أ- تصورها الواحدة، أو أكثر، معزولة عن
الباقي، خاصة عن سياقاتها، كما هو الأمر في شيوع مصطلح "الحداثة" ، مثلا
، في العديد من الصحف والدراسات.
ب- عدم التمييز أو الربط، التام أو غير
الكافي، بين التصور في المفهوم وتداوله في المعيش.
ج- تداولها كشعارات "سياسية" أو
" استيهامات " فكرية أو"فنية" من طرف العديد من المنظرين و الفنانين و الأدباء .
و لا شك أن تناولها بالدراسة من واحدة ،
أو أكثر ، من هذه الزوايا الشائعة لا يخلو من فائدة ، مثلا من جهة معرفة أشكال استيعابنا لها أو من
ناحية معرفة كيف يفكر ، أو يحلم، بعض المفكرين و الفنانين والأدباء ، أي من زاوية
كيف نتصور الذات و الآخر، كيف نتلقى هذا الآخر.
و لكن هذه النوع من الدراسة يحتاج إلى جهد
أوسع و ربما إلى فريق متكامل و متعدد الاختصاصات ، إضافة إلى أن بعض الجوانب منها
قد أنجزت بالفعل، و إن كان بصيغة تكاد تكون واحدة رغم ادعاء تبني مقاربات مختلفة،
في العديد من المؤلفات التي اهتمت بالفكر و الأدب ـ الفن العربيين .
فلم يبدو أنه لم يتم، لحد الآن، تناول
مفهوم كمفهوم " الحداثة " على أنه جزء لا يتجزأ من منظومة من المفاهيم
التي لا يمكن فصله عنها و لا فهمه خارج ترابطها و تماسكها ؟
وذلك على عكس ما هو رائج في المجتمعات
الحديثة التي طورت هذه المفاهيم وأسست عليها بنياتها الفكرية والسلوكية، ففي هذه
المجتمعات، وعلى ضوء تعاملنا الناقص أو المغترب معها، يظهر أن تلك المفاهيم تشكل
كلا لا يتجزأ ولا يختزل، كلا يمكن أن نسميه "نظام" أو"نسق"،
بمعنى بنية، "المعاصرة".
للوقوف على هذا "النظام" قد
يفيدنا التاريخ، لكن التأريخ له قد يتحول إلى مجرد جري لا فائدة تذكر من ورائه،
متابعة ساذجة لموضاته وتلوناته تنتهي بحصيلة من نوع "وهكذا فإن الحداثة في
انتهاء الحداثة" أو "والواضح أن الحداثة هي ما قبل الحداثة" بينما
يختلط، أي يزداد اختلاطا، حد الحداثة وما بعد الحداثة. فهذا الكلام الذي يشبه
الشطحات لا يخلو من فائدة، لكنه لا يجلو الحدود، خاصة بالنسبة لمن هو خارج هذا
النظام.
و بعبارة أخرى ، يقدر الكاتب و الأديب الغربي،
في أمريكا أو أوروبا، أن يشطح، كما يشاء، بمفهوم " الحداثة "، و أن يقلب
مكوناته ويعيد التصرف فيه كما يريد لأنه يمتلكه و يعيش فيه، فهل يحق لمن لا يتوفر
على تصور لهذا المفهوم و لم يعش لا " الحداثة " و لا " مابعد
الحداثة" و لا " ما قبل الحداثة " أن يلعب به كما يشاء و يتمنى ؟
اللعب بالجهل غير اللعب بالعلم، و التقليد في الحالة الأولى
غير التقليد في الثانية ؛ نعرف الكثيرين من الذين استعملوا مفاهيم ونظريات من غير
أن يطلعوا عليها كاملة و لا أن يفهموها ، خاصة في مجالات الفنون، حيت يمكن لسوء
الفهم أن يولد الفهم ، أحيانا ، و في جميع الثقافات !
إن المتتبع للإبداع العربي، القصة
والرواية والشعر والمسرح والسينما والتشكيل، يستطيع أن ينقل السؤال "ما
المعاصرة ؟" خارج تاريخ المؤرخين وأن يخلصه من قبضة اللاهتين وراء التقليعات
والشطحات، باسم " حداثة " مزعومة، ومن أيدي بعض "المنظرين"،
تراثيين و متافيزقيين، الذين عوموه، منذ
عقود، في برامج إصلاح" سياسية" أو أخلاقية، الأمر الذي لا يعني أنهم لم
يقاربوا السؤال ولا أن المعاصرة لا تهم هذه الحقول، وإنما يعني أن الفن، وفنا
واحدا بعينه كالرواية أو السينما، قادر أكثر من غيره على الوقوف على ما هو جوهري،
قار ومشترك، في هذا السؤال ، لأن الفن، مهما أوغل في" المحلية "
أو"الجهوية "، "كوني " بالتعريف : كما يكتب أمريكي، من جهة
الكونية، أو ياباني، أو غربي، أو جنوب أمريكي، يكتب العربي!
وبعبارة أخرى إنه لا يمكن أن أمارس
السياسة بلا معاصرة، تماما كما لا يمكنني أن أكتب قصيدة بلا معاصرة، إلا أن المواطن،
أي مواطن وفي أي وطن، قد لا يتعرف على نفسه في سياسة بلده أو جيرانه، لكنه يتعرف
عليها بسهولة وتلقائية وهو يقرأ قصيدة أو رواية أو فيلما من إنتاج أحد مواطنيه أو
مواطني بلدان أخرى !
هذا هو المجال الوحيد، مجال الإبداع،
الفني والعلمي، الذي تتحقق فيه الكونية بشكل واضح، الأساس المشترك أو المتشابه،
بين مواطني العالم، فالفنان الذي يبدع
أثرا فنيا، والعالم الذي يبدع أثرا فكريا، يبدعان ويتلقيان، على الأقل من الناحية
المبدئية، باعتبارهما مواطنين كونيين، ولو لم يفكرا في هذا أو يتوقعاه، ومن غير أن
يجعلا منه عصابا، على عكس رجل السياسة والاقتصاد ، مثلا، خاصة في البلدان
المتخلفة. ولعل السر في غاية البساطة: إن المرء، حين يتصرف في بلده، كمواطن حقيقي،
وبغض النظر عن مجال اهتمامه وانتمائه، يتصرف من منظور" كوني " ، و لو لم
يكن واعيا بذلك!
والكونية ، كما بينا في سياق آخر، يجده
القاريء في الفصل الثاني، غير العالمية. إن العالمية حضور عام في الكون، حضور قد
يكون كيفما اتفق وقد يفاجئ صاحبه نفسه، بواسطة الرياضة أو المال أو أية ثروة كالبترول . لذلك يظل هذا الحضور غير دائم،
عبورا في العالم قد يطول أو يقصر، لكنه غير مستقر، غير فاعل إلا عرضا، فأنا، مثلا، الآن جزء من
"النظام العالمي الجديد"، لكني هامشي فيه، مستغل وتابع، غير فاعل فيه،
موجود فيه بالرغم مني ولا أنتمي إليه إلا بطريقة سلبية: التنديد به، أما الرفض
والخروج منه فلا أقدر عليه إلا إذا أصبت بهذيان العظمة، فأنا عالمي، في هذا النظام، لكني بلا كونية، أي بلا أساس ولا قوة
حين تقترن العالمية بالحضور الفاعل،
وبالفعل النوعي في العالم، تصبح كونية: بالمعرفة الحق بالكون، بالمشاركة فيه عن
طريق الإبداع والقرار، أي بكل أشكال القوة، و المعرفة و السلوك، التي تجعل
الإنسان، في مكان ما وزمان ما، مساويا للإنسان في أي مكان وأي زمان !
الكونية بهذا المعنى، عالمية إيجابية في
حين أن العالمية كونية سلبية أو طارئة، بالصدفة أو بالرغم. ولا تحتاج هذه إلى وعي
كامل بالمعاصرة بينما لا تقوم الأولى بدون هذا الوعي الشامل بالمعاصرة.
فالمعاصرة هي شرارة الكونية، الشرارة التي
تكبر تدريجيا لتصبح السراج الذي ينيرها، المفتاح الذي بدونه يظل الكون مغلقا.
والمعاصرة، من هذه الزاوية التصورية، تنبني على سؤال واحد تتمسك به، في أفضل صيغة،
بالبحث الصادق عن إجابة ملائمة عنه: ما هو سر الإنجازات، وعلى جميع المستويات،
الفكرية منها والفنية والتكنولوجية، ذلك الذي يجعل أمة ما، في تاريخ معين أو عبر
امتداد تاريخ طويل أو قصير، تحتل مكانة رفيعة في الكون، أي تنتمي إلى الكونية
وتشارك فيها أمما أخرى سبقتها أو تعيش معها ؟
هذا السر واحد منذ الأزل: الإبداع، فهم
سبل الإبداع ووسائله، وتسخير ذلك كله في خدمة التقدم و القوة، من أجل الانتماء إلى العالم، والمشاركة في
الكونية، والبحث عن جميع الإمكانات الموصلة إلى هذه الغاية. هذه مهمة جميع النخب
وعلى رأسها تلك التي تسير الشان العام.
أما العولمة فهي نوع من العالمية، لكنها تقوم على المعاصرة :
امتلاك سر القوة الحالي، أي العلم و وسائل الاتصال التي تجسد اليوم أعلى ما وصل
إليه الإبداع الإنساني. ورغم ما يحيط بها حاليا من مظاهر الهيمنة من طرف المتقدمين
في امتلاك مفاتيحها فإنها "مفتوحة " في وجه كل من يريد أن يعرف أسرارها
ويمتلك أدواتها، أي كل من يملك إرادة، وذكاء ، المعاصرة ؛ فلنكف عن تقديمها، لأبنائنا، كشر أمريكي خالص اللهم إلا إذا كنا
نريد من وراء ذلك التنبيه على أن تخلفنا عنها لن يزيد إلا من هيمنة أمريكا ، وغير
أمريكا ، علينا: أكبر شر يواجهنا هو عدم فهم المعاصرة و عدم الانخراط فيها !
قد تختلف النخب حول الأدوات، وهذا أمر
معروفة فوائده من قديم، لكن الصيغة حتمية: الدمقراطية .فلم يثبت، إلى الآن،
وبالرغم من كل مساوئ هذا النظام، أن هناك صيغة أفضل منه لتحرير إبداعية أمة وتيسير
سبل القوة والتقدم أمامها. وقد تظهر الأيام، بالنسبة إلينا، أنها الصيغة الوحيدة
للحفاظ على وحدة الأمة وتماسكها، إن لم تكن الصيغة الوحيدة للتنمية والتكافل خارج
أشكالها الوحشية والبدائية.
وإذا صح أن المعاصرة سؤال مضبوط وجواب
ملائم عنه فإن هذه الإجابة عندما تتم تتطلب موقفا عمليا يعبر عنها ويترجمها إلى
واقع، أي يمكنها من الحضور الفاعل والكيفي في العالم. هذا الموقف العملي، السلوك
الإبداعي، الفعل المجدد هو ما نطلق عليه اسم
"الحداثة".
إذن إذا كانت المعاصرة وعيا، فإن الحداثة
سلوك، موقف فاعل فكريا وسياسيا وفنيا وأخلاقيا. ونحن عندما نقول "إن هذا
العمل حداثي" ينبغي أن نفهم من هذا
القول أنه عمل يستمد روحه، أو سره، من المعاصرة، من جهة، ويحقق هدفها، من
جهة أخرى، أي الإبداع.
وهكذا فإن الحداثة لا معنى لها بلا معاصرة
ولا فائدة منها خارج الإبداع. لذلك فإن الشخص الذي يستعمل اليوم الهاتف المتنقل
يعيش آخر ما وصلت إليه الحداثة في مجال تكنولوجية المواصلات اللاسلكية، لكنه يعيش
خارج المعاصرة إذ يستعمل تلك الآلة كيفما اتفق ولأغراض غير معاصرة شكلا ومضمونا في
أغلب الحالات، وما أكثر الأمثلة السيئة، المنحطة، في هذا المجال!
ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي يركب آخر
ما أنتجته الحداثة في مجال تكنولوجية السيارات شخص يعيش، ولا شك، أعلى درجات
الحداثة في هذا المجال، لكنه إذ يستعملها للواجهة، ولا يحترم حتى علامات السير،
فإنه يظل بعيدا عن المعاصرة، وليست حداثته سوى حداثة شكلية، حداثة وجاهة لا تخلو
من" روح قبلية" أو "بدبوية" ؛ كثير من أشكال المعاصرة لم نجعل
منها أكثر من واجهة : الأخذ " بالشكل "
قد يمهد " للجوهر " ، لكنه لا يؤدي إليه بالضرورة لأن التمسك
بالشكل تقليد بينما الجوهر يفرض دائما قدرا من التصرف في الشكل أو إيجاد الشكل
الملائم للزمان و المكان !
مثل هذا الشخص، أو المجتمع،
يفتقر إلى المواطنة، في حداثته المزعومة، كما تفتقر إليها الدولة مثلا، حين
تفرغ الديمقراطية من محتواها الكوني، أي الإنساني، وكما تفتقر إليها الحداثة عموما، حين تصبح مجرد
تبعية أو تكرار أو استعراض وواجهة، سوءا في الأدب والفن أو في الفكر والسياسة أوفي
العلاقات الاجتماعية والعاطفية.
ولنسترجع الآن المفاهيم الأساسية التي
استعملناها بالتدريج في هذا التحليل السريع على أن نستكمل تحليل الباقي منها فيما
بعد (السلم،مثلا ):
المعاصرة
الكونية
العالمية
العولمة
الحداثة
الإبداع
التقدم
الديمقراطية
المواطنة
السلم
نرجو أن يكون قد اتضح، على الأقل من ناحية
الكيفية التي وردت فيها،أنه لا مجال لعزل بعضها عن البعض، فالعالمية، كحضور في
الكون، تتطلب كيفا لهذا الحضور، والكيف يستلزم وعيا، أي المعاصرة، والمعاصرة تحتاج
إلى أن تترجم في سلوك، أي الحداثة، والوعي
والسلوك الكيفي يفترض الإبداع، وهذا
الأخير لا يتحقق بدون تحرير الإبداعية، على الأقل لدى النخبة، أي صيغة لتعبئة
الإبداعية، إذن الديمقراطية، والديمقراطية ليست مطلوبة لذاتها، وإنما للتقدم،
والتقدم يستحيل بدون مواطنة، وكل هذه الأمور ستكون مشلولة بدون مواطن، أي بدون
مواطن يشعر حقا انه ينتمي إلى مجموعة بشرية تختلف عن مجموعات أخرى وتشاركها في
الأساس الإنساني العام، إذن في الكونية. و لا كونية ، بل و لا ديمقراطية حقا، بلا
سلم : الحروب الجهوية والداخلية، ناهيك عن الحروب الكونية، أخطر أعداء
الديمقراطية؛ أكبر أعداء الديمقراطية اليوم هم الدعاة إلى الحروب الطائفية
والأهلية بأسماء مختلفة الألوان!
وبين كذلك، على ما يظهر، أن كل مفهوم من
هذه المفاهيم، عندما نأخذه من النسق ونعزله عنه مؤقتا، يعبر عن تصور نظري كما يعبر
في ذات الوقت عن برنامج، إذ لا معنى لأي من هذه المفاهيم كتصور نظري خالص ولا جدوى
من التعامل معه كبرنامج مجرد عن التصور.
وهكذا فإنه من العبث الحديث عن المعاصرة،
أو عن الديمقراطية أو المواطنة، كتصور نظري، كما أنه من باب الديماغوجية، وأحيانا
الفاشية، الحديث عن الحداثة، أو عن التقدم أو العالمية كبرنامج عمل لا أقل ولا
أكثر، فإن الكثير من الدول تستعمل وسائل الإعلام بـ "حداثة" قد تحسد عليها. وقد أدركت هذه الدول، أو
أدركتها، الحداثة، مادامت قد التجأت إلى إبداعات العصرٍ، لكن طرق استعمال هذه
الوسائل، وبالتالي الموقف الفكري الذي يحركها، طرق عتيقة وبعيدة كل البعد عن
المعاصرة، ومنها ما هو مسخر عن وعي أو لا وعي، لتخريب المواطنة في أهم مكوناتها،
أي الذاكرة والوجدان، ولكبح كل إبداعية في مجتمعاتها .
ولذلك
فهي قد حققت نوعا من الحداثة عن طريق توظيف بعض منتجاتها، لكنها لن تستطيع الدخول
في الكونية لأنها لن تقدر على تحقيق أدنى قدر من الحضور النوعي في العالم؛ مازال
الشعر، والغناء، في أشكاله الحديثة، يستعمل في المدح والتكسب، وقد انضافت إليه
الرواية والصورة والمسرح، وفي حالات كثيرة، بل مازال الوعي القبلي والفكر
الإقطاعي، مازالت البدائية، في صورتها المتوحشة، هي التي تتحكم في الكثير من أنواع
الإنتاج والسلوك.
ولاشك أن بعض الحداثة، في بعض الوسائل، قد
يؤدي بنا إلى بعض العالمية، من حيث هي حضور غير نوعي ولا قار، لكنه بدون المفاهيم
الأخرى، شاملة ومترابطة، لن يؤدي إلى الكونية، لا هنا حيث نحن ولا هناك حيث
الإنسان المماثل لنا من حيث إنسانيته.
ولهذا
فإن ما يصدق عن المفهوم الواحد، كتصور وبرنامج، من حيث عدم قابليته للفصل
بين مكونيه، يصدق أكثر على النسق في كليته، فلا أحد، مازال عقله وقلبه يشتغلان،
بإمكانه أن يتصور أنه سيدخل "نظام المعاصرة" بتصور نظري خالص فقط أو
ببرنامج عمل بحث : إنه يهيئ فقط للدكتاتورية و ازدياد التبعية!
هذه هي المفاهيم الأساسية التي تحاول
اليوم كل أمة أن تقتحم العالم بواسطتها، فهي وسائلنا إلى تقطيع العالم، أي إلى
تصوره وترتيبه والتصرف فيه، تماما كالوسائل التي نخطط بواسطتها وننجز بيتا أوحيا
أو مدينة، غياب التصور فيها قد يؤدي إلى العشوائية ، والاكتفاء بالتصور قد يظل
مجرد حلم يقظة، استيهام.
غير أن الزيادة في فهمها، وبغاية استكمال
طابعها الإشكالي، يستلزم الملاحظات الإضافية التالية:
1- إنه لا واحد من هذه المفاهيم، سواء
كتصور أو كبرنامج أوهما معا، يسبق المفاهيم الأخرى أو يتقدمها، لا من حيث الزمان
ولا من حيث جدول الأسبقيات، وبالتالي فإنه لا مجال لأي سلم أفضليات بداخلها،
فالتقدم لا يسبق الإبداع، مثلا، ولا المعاصرة تسبق الحداثة، ولا المواطنة تسبق
الديمقراطية والمعاصرة أو العكس.
أما ترتيبها بالشكل الذي قدمناه في التحليل فإنه لم يكن هناك
ما يبرره غير الغاية المنهجية التي رسمناها لنفسنا. وهي غاية، بدورها، لا تلزم
القارئ الذي قد يجد طريقة أخرى للتفكير في إشكالها.
2- تشكل هذه المفاهيم وجوها متعددة
ومتكاملة، في الآن نفسه، لحالة واحدة تتحقق كلها، كحالة أو نسق، من خلال مستويات
وتجليات مختلفة، لكنها واحدة دائما ومتضامنة في التحقق، سواء كتصور أو كبرنامج،
الأمر الذي يعني أننا يمكن أن نركز على مفهوم واحد منها، فنعزله، كتصور أو برنامج
أوكلاهما، للتفصيل في وجه من وجوهها، أو مستوى من مستوياتها ، أو تجل من
تجلياتها، كما يمكن أن نجملها للنظر في
الحالة ككل، أي في النسق بأجمعه، لأنه لا معنى لأي واحد منها مفصولا عن أحد
مكوناته أو عن مجموع نظامه، كما أكدنا على ذلك.
بهذا المعنى فقط، ومن هذه الزاوية وحدها،
يستطيع واحد من هذه المفاهيم أن ينوب عن باقي مفردات المعجم أو أن يختزلها كلها
.وهكذا فإننا، ومن باب الاختزال أو الاختصار،
نقدر على التعبير عن خاصية عصرنا، أو حاجة مجتمعنا، من منظور "نظام المعاصرة " السالف الذكر،
فنقول مثلا: " هذا زمن الحداثة "، أو " نحن في عصر الديمقراطية
"، أو "الأمم التي لا تبدع لا تتقدم "، أو " المواطنة شرط
الديمقراطية " الخ ... العبارات
السائدة في تداولنا.
غير أننا بهذه
العبارات إنما نعبر عن النسق كله أو على الأقل ننطلق منه ولا نخرج عنه. وبذلك نعبر
حقا عن شروط، أوخاصيات، "الزمن" المعني أو"العصر" المقصود، بل
عن خاصيات، أو شروط، كل عصر، وكل زمان، كل جماعة دخلت حقا أوتحاول الدخول في الكونية.
والذي يستعمل اليوم الواحد من هذه المفاهيم خارج هذا السياق، كما هو الشأن بالنسبة
لمفهوم الحداثة أو الديمقراطية مثلا، إنما يرتكب خطأ قد يؤدي إلى كوارث، فما أكثر
"الكوارث"، ولنبقى خارج السياسة، التي ارتكبت في الشعر، أو السينما،
باسم " الحداثة "، وفي الرواية باسم "التجريب" أو "
اللارواية "، كمظاهر " للحداثة
" !
3- تتناقض هذه المفاهيم ويلغي بعضها البعض
لمجرد أن أحدها أخرج من السياق العام الذي يفترضه النسق، إما بحذفه تماما وإما
بالزيادة أو النقصان في تصوره أو برنامجه.
وهكذا فإن "العالمية" قد تصبح
مجرد هيمنة، إذ زيد فيها أو مورست خارج نسقها. كذلك تتناقض "المواطنة"
إذا نقص منها، أي إذا عزلت عن الباقي، فتصبح مجرد دعوة إلى الانكماش في مكان معين
وزمان محدد باسم خصوصية مفرطة في الجهوية أو الانغلاق الزمني، وبذلك يتناقض النسق
كله، من داخله، ولكنه يتناقض كذلك من خارجه، أي مع مفاهيم أخرى مرافقة له أو
مرتبطة به، مثل المحلية أوالجهوية أو الخصوصية، لأنه يصبح عاجزا عن إعطائها
معنى مرنا وجدليا، بمعنى أنه لا يفقد
القدرة على إغنائها والاغتناء منها فقط وإنما
يفقد مبرر وجوده كله وشروط عمله إذ أن هذا النظام، ورغم كونيته، لا يمكن أن
يمارس إلا من طرف مجموعة بشرية محكومة بشرطي الزمان والمكان، أي بجهوية معينة
وخصوصية معينة ، بتاريخ ، أو ذاكرة ، مختلفة ، بوجدان و متخيل متميزين لإنسان، هو
جزء من الإنسانية و لكنه ليس كل الإنسانية !
هذه، وبصفة عامة، هي شروط اتساق
"نظام المعاصرة" مع ذاته، من جهة، ومع مجاله الخاص، مجتمع معين، والعام،
المجتمع البشري ككل. وبالجملة، فإن المعيار الذي تقاس به سلامة أي مفهوم من هذه
المفاهيم،إذا استعمل معزولا، ليس هو تماسكه مع ذاته فقط، من حيث هو تصور وبرنامج
عمل أو سلوك، ولكن تماسكه كذلك مع غيره من مفاهيم النظام، أي اتساقه ضمن شبكة
المفاهيم المذكورة.
ولذلك، فإن الترابط الضروري دائما بين هذه
المفاهيم ليس ناتجا فقط عن اتساق معانيها في التصور والسلوك، وإنما كذلك،
وبالأساس، لأنه لازم لزوما كليا، من ناحية بنيوية ومنطقية، لأنها ضرورية لبعضها
البعض من أجل قياس سلامتها، من حيث التصور، ونجاعتها من حيث الاستعمال أو المر
دودية.
ولذلك فإنها كلما
فاضت أو نقصت عن حدها تصبح متناقضة، إلا
في حدود احتمال نسقها، أي غير قابلة للائتلاف، كما تتناقص مع ملازماتها وشروط
عملها، أي الإنسان المعين والزمان والمكان المحددين، فاقدة بذلك عموميتها
وخصوصيتها في نفس الوقت.
هذا إذن هو "نظام المعاصرة"، ولا مانع من أن يسميه
آخرون مثلا " نظام الحداثة " أو " الحداثة " فقط ، فإنما
الغرض من العبارة، في الأصل، أن نجيب عن سؤال "كيف يمكن أن ننتمي إلى هذا
العصر، وإلى أي عصر آخر، نكون فيه أقرانا وأندادا، أي داخله وليس على هامشه،
متساوين وليس تابعين، مشاركين وليس منفيين ولا غرباء ؟"
هذا هو السؤال الذي
مازلنا نطرحه منذ عقود، ولا تتوقف أية أمة حية عن طرحه، وقد أراد "نظام
المعاصرة" أن يجدد الانتباه إلى كليته التي كثيرا ما تغيب عنا ونحن نمارس
الجزئي، خاصة في الإبداع وفي علاقتنا بوجداننا.
( من كتاب المعاصرة و المواطنةـ مدخل إلى الوجدان ـ منشورات
الزمن، الرباط، 1999)
4 ـ نقد:
ما الأدب؟ من الكاتب؟
مدخل : الكاتب في المغرب، وربما في المغرب
العربي كله، يستمد ثقافته من مصادر متعددة، ولكن معروفة، أهمها: 1- الثقافة الإفريقية كما تم توارثها قبل الإسلام، وخلاله، وكما بقيت، في
لغات وعادات ومعتقدات، تتداول بهذا الشكل أو
ذاك، في المغرب، وعلى رأسها الأمازيغية. 2- الثقافة العربية- الإسلامية ، كما جاءت، من المشرق ولا تزال تأتي، وكما
تمت مثاقفتها مع اللغات أو
الثقافات المحلية والعالمية،
ولا تزال إلى الآن حاضرة بقوة. 3- الثقافة العالمية ، عن طريق الغزو والاحتلال المتبادلين، في القديم
، وكذلك عن طريق التجارة والرحلات وغيرها من أشكل التبادل، واليوم، بصفة
خاصة، عن طريق اللغات والترجمة أو الإقامة أو الاستيراد المباشر عن
طريق الفرنسية، والتزايد الملحوظ، مند سنوات، وبشكل مباشر، للإنجليزية والإسبانية.
وبطبيعة
الحال، هناك مصادر أخرى للكاتب، وهو يبدع، قد يكون أهمها التجربة، أو الخبرة
الشخصية في الحياة، والقراءات المختصة في النوع أو الجنس المفضل لديه. لذلك يطرح،
على هذا المستوى، سؤال قد لا يخلو من فائدة: كيف تجمع في أمة،أو فرد، كل هذه
المصادر المتنوعة المختلفة، وأين يكمن سر هذا الجمع بين كل هذه المكونات، تاريخيا
وراهنا؟ وبالنسبة للكاتب، كيف تأتلف في ذاته جميع هذه العناصر، كيف تتعدد وتتحد في نفس
الوقت؟ ما هو سر هذه الوحدة، وهي تعدد، في ذات فرد أو أمة؟ هل يمكن أن نرد الصيغ
الخاصة لهذه الوحدة إلى الوجدان والذوق، مثلا، بالمعنى الذي نتكلم به عن وجدان
أمة، أو ذوقها، وعن وجدان فرد، أو ذوقه ؟ـ 1ـ لاشك أن هذا المشكل معقد جدا وتتدخل
العديد من الجوانب الذاتية والمؤسستية في وضعه الحالي، لكني أريد أن أركز على جانب
واحد منه فقط،ما يتعلق منه بثقافة الكاتب ، بمفهوم هذا الكاتب ذاته : من هو الكاتب، اليوم، وفي أي وقت
من الأوقات، من هو الكاتب ، في ثقافتنا، وفي أي ثقافة أخرى؟ وبعبارة أخرى، من هو
الكاتب، عندما أتحدث عنه من منظوري ككاتب، أو أتوجه بالحديث عنه إلى مدرس الأدب أو
المهتمين بالأدب، كقراء أو باحثين، إلى طلبة شعبة اللغة العربية وآدابها، على سبيل
المثال. من هو الكاتب، من هذه الزاوية، وأي الكتاب يعنينا ؟ الأديب! وبناء على
هذا: ما هو الأدب؟
· حول معنى الكاتب :
سأحاول
أن أتجنب التعقيدات الأكاديمية حول مفهوم الكاتب، خاصة تلك التي لا يبدو لي
أنها تخدم بشكل مباشر غرض هذا البحث، ولنقل، من باب التبديه أو
التبسيط: أ-إن الكاتب مثقف، رجل أو
امرأة، يصنف ضمن دائرة المثقفين الواسعة.
إذن من هو المثقف؟
ب- المثقف هو الشخص الذي يحتل مكانة معينة
في المجال الرمزي، مجال ترويج القيم وإنتاجها، أي ما نسميه، عادة بالثقافة.سنعود
إلى تعريف الثقافة،من هذه الزاوية… فلنستمر في تحديد الكاتب! ولكن المثقفين أنواع
منهم السياسي والنقابي ورجل الاقتصاد
والفلسفة والاجتماع،الخ… فماذا
يمكن أن يميز"الكاتب"، أو الأديب،عن هؤلاء؟
ج-الكاتب
مثقف يساهم في المجال الرمزي، إنتاجا وترويجا، بواسطة فعل الكتابة ، الكتابة
بمعناها الأولي ، وبدون الخروج عن هذا المعنى، بحصره وأوليته، أي ما نجده في
القاموس من "كتب-الكتاب: كتبا وكتابا وكتابة، خطه، فهو كاتب،وأكتبه، أو كتب
فلانا، علمه الكتابة"،
سواء كانت، هذه الكتابة، تمارس بقلم الحبر أو الرصاص، أو الراقنة، أو الحاسوب،
وسواء كان يحررها صاحبها أو يمليها على من يحررها له ، وقد يفعل ذلك شفاهيا
فقط. هذه هي الكتابة، أي صنعة، أو صناعة الكاتب، دائما وأبدا. أما ما كان من تلك العبارات، مثل "
الجسد هو الذي يكتب "أو" الكتابة وجود" أو الكتابة فعل
تاريخي"، فهي لا تضيف إلى المعنى الأصلي شيئا يذكر، ويمكن أن يغير معناه. ومن
الأفضل ، من هذه الناحية ،
اعتبار بعضها إضافات أو تنويعات على الأصل، أي إغناء، وبعضها الآخر مجرد شطحات فكرية أو نزوات شعرية، أي
إعلاء للصانع والصنعة: الكاتب يكتب، بمعنى يحرر، أو يرسم، بخط لغته، بحروفها، لغة
الثقافة التي ينتمي إليها أو الثقافة التي تنتجه، سواء تم ذلك على الجريد أو الورق
أو على شريط أو على قرص أو اسطوانة وهذا هو الفرق الأساسي بين "المثقف
الكاتب" وبين "المثقف العملي"، السياسي أو النقابي، مثلا، الذي لا
يكتب، أي ليس من الضروري أن يكتب، لأن حرفته لا تقوم بالدرجة الأولى على الكتابة.
سنجد كذلك، في العربية، أن الكاتب هو من صناعته النثر، ربما لتمييزه عن الكاتب
الشاعر! ما علينا، فلكل زمن معجمه الذي يعبر به عن أغراضه ووعيه: اليوم، الكاتب،
شاعرا أو ناثرا، هو كل من يمارس فعل الكتابة، يخط أو يرسم بالحروف.أما ماذا يكتب
وما قيمته، فلا يعنينا النظر فيه الآن. ولنلاحظ أن من بين هؤلاء، الذين صناعتهم
النثر، هناك الفيلسوف والصحفي وعالم الدين والاجتماع وغيرهم، أي أن المثقفين
الكتاب بدورهم أنواع، ينبغي أن نميز، من بينهم ، نوع الكاتب الذي يعنينا في السؤال
الذي طرحناه أعلاه والذي يخص، كما أشرنا، الكاتب الأديب، من هو هذا الكاتب الأديب؟
د- الكاتب الأديب، وبتبسيط أو تبديه، هو المثقف الذي
يشارك، في مجال الكتابة، من حيث هي
فرع من الثقافة ، عن طريق ما نسميه فن الأدب! أما الأدب فسنعرفه، اختصارا، بواسطة
المصادرة أو المسلمة، التالية: الأدب هو الكتابة، وكما شرحنا معنى الكتابة أعلاه،
الكتابة التي موضوعها الذوق، تلك التي تصدر عن الذوق وتتوجه إليه! وبهذا المعنى يكون الكاتب الأديب هو كل من يشتغل، في
مجال الذوق ، ترويجا وإنتاجا ، بواسطة اللسان، لسان المجتمع الذي ينتمي إليه. هؤلاء المشتغلون في
مجال الذوق، عن طريق الكتابة، يمكن أن نرجعهم إلى صنفين أساسين: أولئك الذين
نسميهم"المبدعين" وأولئك الذين نسميهم "النقاد"، وهم، في الحقيقة
جميعا، مبدعون إذا توفر لديهم الاستعداد والصنعة، أي الموهبة والخبرة والعلم. لذلك
أفضل أن أصنفهم إلى ثلاثة أصناف أكثر إجرائية: الشعراء والساردون والدارسون. ولاشك
أن صعوبات تعترض مثل هذا التصنيف: الفلاسفة الذين نظروا للذوق، هل نصفهم، مثلا، في
خانة منظري الأدب ؟ والشعر،
حين يميل إلى الحكمة والتأمل، هل يبقى شعرا؟ والسرد، لما تمارسه السينما،
مثلا كيف يخرج من دائرة الأدب مع
أن مجاله يظل هو الذوق؟ الخ… بعيدا عن فكرة تداخل الأجناس، الذي هو دائما
تداخل نسبي، وإلا ذاب جنس في
آخر بمجرد تداخله معه،
فمعيارا الصنعة والحقل، ورغم نسبيتهما بدورهما، هما المرجع الأساس : الفيلسوف ،
مثلا، حين ينظر للأدب فإنما يفعل ذلك من زاوية
صنعة مختلفة عن صنعة منظر
الأدب ، صنعة نسميها
الفلسفة، تقوم، من جملة ما تقوم، على فكرة النسق والكلية، فلا يعنيه الفيلسوف مجال
الذوق، في الأدب ، إلا باعتباره جزءا من
كل ، في الأدب ومختلف الفنون لا في الأدب وحده. وذلك على صورة أن صناعة المعادن ، أو صناعة نوع من هذه المعان ، متنوعة جدا، لكن الحقل، وطبيعة
الصنعة، هما ما يحدد إحداهما ويميزها عن الأخرى ، فصناعة الذهب غير صناعة النحاس أو البرونز،
وصناعة النحاس للزينة غير صناعته لأنابيب الماء، كما أن صناعة البرونز للسلاح غير صناعته للنحت ! أما الشاعر،وليكن على سبيل المثال
المعري أو زهير بن أبي سلمى أو
دانتي أو جوته، فإنه، لما يميل إلى الحكمة والتأمل لا يتوخى بناء نسق أو نظرية كلية، الأمر الذي هو أساسي في عمل الفيلسوف، ولا إلى
البرهنة والحجاج، أي لا يتناوله كما يتناوله مبحث في الاستيطيقا أو الميتافيزيقا. وقس على هذا سائر الأمور
التي من هذا النوع، فإن منظر الأدب، لا يصير بدوره، لا فيلسوفا ولا عالما، وهو
يشتغل في الذوق ، ومهما تسلح
بما نسميه" الروح العلمية" والمنهاج، لأن الفلسفة صناعة متميزة وحقل ، ولأن العلم
تخصيص ، ضيق جدا ، في الغالب، ودقيق لا يمكن أن توفره له النصوص و لا أي علم مما يسمى علوم الأدب، فهذه علوم مساعدة فقط لمنظري الدب، كما في العلوم الأخرى
علوم مساعدة لا تعطي
علما بذاته إذ ليست العلوم
المساعدة، مثلا، في التاريخ هي التي
تعطي علم التاريخ… هذه الملاحظات تجعلنا،
الآن، في صلب إشكال ثقافة الكاتب الأديب: ما هي الثقافة الأساسية، أقول الأساسية
ولا أقول الوحيدة، التي تميز هذا النوع من الكتاب عن غيرهم من الكتاب الآخرين؟ هل
لهم نفس ثقافة
الفيلسوف أو رجل الإعلام أو رجل الاقتصاد والاجتماع؟ إن
لكل واحد من هؤلاء الكتاب،
كأصناف أو فئات ، ثقافة ، أو تكوين أو خبرة ، خاصة تميزه من الأنواع الأخرى ، وتتحدد في حلقه وصناعته ،
كما لكل كاتب أسلوب يميزه عن غيره من الكتاب ، داخل النوع أو الجنس الواحد، فماذا يميز الكاتب الأديب عن غيره من أنواع الكتاب الآخرين؟ ثقافته، بكل
تأكيد كما قلنا. ولكن أية ثقافة بالضبط؟ لنتأمل التعريفات السائدة لمفهوم الثقافة
لهذاالغرض!
· في معنى الثقافة :
هناك
ثلاثة تعاريف سائدة للثقافة:
أ- الثقافة والحضارة شيء واحد: الثقافة هي ما ينشا من تجمع
الناس، أو تكوينهم لجماعة معينة . فهي إذن
نمط العيش في هذه الجماعة ، كل الشروط،
العلاقات والعادات التي تشتركون فيها وتربط بينهم لتجعل
منهم قبيلة أو شعبا أو أمة أو قارة أو عالما، وبعبارة أخرى فإنه بمجرد ما تتكون جماعة بشرية تتكون من هذا التجمع طرق عيش أو حياة، أي نمط وجود
يتجلى في لغتهم ومنتجاتهم الفكرية والفنية والروحية ، المادية والمعنوية ، ابتداء
من طرق الأكل واللباس والحرث والتناسل والنظافة إلى أذق، أو أبسط، النظريات في
الحساب والفلك والفلسفة، إلى أعقد التقنيات أو أشدها بدانية،إضافة إلى الشعر والأساطير والملامح وغيرها من أنواع الفنون والآداب . أهم ما
في هذا التعريف أمران :
- إنه بمجرد ما توجد جماعة تتكون لديها
ثقافة وبغض النظر عن كون هذه الثقافة "متطورة"أو مختلفة"،
«حديثة"أو «بدائية"، الشيء الذي يجعل جميع الأمم"تتساوي" في
امتلاك ثقافة معينة.
- إنه، بهذا المعنى، تتداخل في الثقافة جميع المكونات المادية،أي
الحضارة ، وجميع المكونات المعنوية ، بحيث يزول ذلك التمييز "الأخلاقي
"، إذا جاز هذا النعت، بين ما هو سام ومتقدم ،أي المعنوي الذي يقصد به ،
عادة، وبتفاوت في النظر إلى قيمته أو
سموه، الروحانيات ومنتجات الفكر والمخيلة، وبين الماديات، التي تعطاها قيمة أقل أو أحط مما هو معنوي، من ذلك
المنظور "الأخلاقي"، بطبيعة الحال.
- هذا النوع من الثقافة، أي الثقافة
من زاوية هذا التعريف، يهم جميع المثقفين، بدون استثناء، ويهم بصفة خاصة أولائك الذين يمكن تسميتهم
ب"المثقفين الفاعلين "أو" "العمليين"، أي أولائك الذين ينظرون إلى الثقافة بصورة
فيها شيء من الذرائعية ، أو
البرغماتية، تفرضها عليهم طبيعة ممارستهم ، بهدف التغيير أو " الهيمنة"،
فهم يحتاجون، مثلا، إلى إدراك أن التخلف شامل وأن التقدم بدوره يتطلب رؤية شمولية لا تفصل بين ما هو مادي وما
هو معنوي، إلا فصلا منهجيا، وإلا فإن كل إصلاحاتهم ستكون سطحية أو غير ذات مدى أو فائدة.
ـ إلى هذه "
الثقافة النضالية" يحتاج مثلا رجال السياسة والمصلحون والعاملون في الدعاية
والإشهار، كما يحتاج إليها كل طالبي الهيمنة.وعن مثل هذا التصور ينبغي أن يصدر
أمثال هؤلاء، فهل يحتاج إليها الكاتب الأديب، على الأقل كما يحتاج إليها هؤلاء ؟
وبعبارة أخرى هل يحتاج السارد أو الشاعر إلى هذا النوع من تصور الثقافة ليكتب
قصيدة أو مسرحية أو رواية، أعني الكاتب وهو يكتب، لا الكاتب وهو يناضل، اي يمارس
شغلا آخر خارج عملية الكتابة؟
ـ
لا أعتقد، بدليل أن الإبداع قد كتب قبل
نشوء هذه النظرية ، أي قبل القرن التاسع عشر ، إضافة إلى أن العديد من الكتاب لا يملكون أية نظرية شمولية
من هذا النوع، أو التزام مرتبط بمثل هذا التصور. أما الوعي بشمولية الثقافة، أي الإحساس بها ، من حيث هي كذلك ، فهو، بطبيعة
الحال، غير التعرف عليها في سياقها الحضاري الجديد ، نسبيا، وتوظيفها توظيفا بهذا
المعنى وبالأغراض الحديثة، ناهيك عن أن الأديب، كما يقال ابن بيئته أو عصره، لكنه
ليس في حاجة ، أولية وضرورية إلى أن
يعرف هذا، ويدرسه دراسة واقية ، ليكتب لنا شعرا أو سردا أو نقدا .الثقافة الأساسية
للكاتب الأديب مصدرها مختلف إذن، فهل نجدها في المعنى الرمزي للثقافة؟
ب- الثقافة بالمعنى الرمزي، كما قلنا، تعني
كل منتجات الفكر أو
العقل والروح والمخيلة، فهل يحتاج الكاتب إلى كل هذه
المعارف ليكون كاتبا أديبا، وهل يحتاج المرء إلى أن يكون مؤمنا أو ملحدا
ليكون كاتبا أديبا، يهوديا أو مسيحيا أو مسلما، عالما في هذا الدين أو ذاك، هل
يحتاج إلى معرفة كل النظريات العلمية والفلسفية لهذه الغاية؟ أو ليس مثل هذا
التكوين شبه المثالي، هو طلب لزوم ما لا يلزم؟ وبهذا الصدد، أو ليس هو سبب التشويش
على قيمة الكثير من النصوص الأدبية والنقدية والمصدر الرئيسي لهزالها في الكثير من
الحالات ؟ هذه بدورها ليست، بالنسبة للكاتب الأديب، من باب ما هو أساسي،أي ضروري
وأولي، في ثقافته بالرغم من أهميتها ، بالنسبة لنا جميعا. فهل يمكن أن نجد هذا الضروري الأولي،
الأساسي جدا، وحتما، لكي يكون الكاتب كاتبا أديبا،في المعنى الأخير للثقافة :
الثقافة كوعي؟
ج-الثقافة
كوعي: من السائد جدا تعريف الثقافة كوعي،
أي كسلوك، بحيث يكون المثقف،
كاتبا أو كاتبة، هو الشخص الذي تحولت لديه جميع المعلومات، والمعارف والتجارب، إلى خبرة خاصة، إلى وعي
وسلوك، أي إلى شكل من أشكال الارتباط الحميم ، الملتزم والخلاق، في نفس الوقت،
وبحيث لا يصبح هناك فرق يذكر، أو تناقض، بين معارفه وتجاربه وبين سلوكه وعمله،
وإنما هناك تماسك وانسجام بينهما إلى أقصى الحدود، كما يفكر يعمل، أي يتصرف، وبهذا
المعنى نقول، من باب الدعابة والهزل الجاد: الثقافة هي ما يتبقى بعد أن ننسى كل
شيء. غير أن هذا التعريف " الأخلاقي"، أو السياسي "، بدوره لا
يعطينا حدودا بين مفهوم المثقف، بصفة عامة، والكاتب الأديب، ولا بين الكاتب،
بالمعنى الواسع للكلمة، وبين الكاتب الأديب، أي لا يغنينا، إطلاقا، عن الاستمرار
في التساؤل: لا شك أن كاتبنا تتحول لديه كذلك المعارف والتجارب إلى خبرة خاصة تعرف
فيها مكوناته ، وخارج أي مسبقات " أخلاقية"، نوعا من الانسجام المتميز
الخلاق، غير أننا لا نفهم بعد كيف تتميز هذه الخبرة، أو خلاصة الخبرة، عن الخبرة
الخاصة لدى العالم أو السياسي أو رجل الدين
الكاتب. ما الذي يميز هذه الخبرة إذن عن مثيلتها في مجالات وممارسات أخرى مختلفة
عنها أو قريبة منها ؟
· ثقافة الذوق :
يبدو أن هناك شيئا واحدا يمكن أن يميزها
هو ما يسمى "الذوق"، وإذا ما أردنا أن نميز ثقافة الكاتب الأديب،
بأنواعه الثلاثة المذكورة سابقا، عن غيرها من أنواع الثقافات الأخرى، كالثقافة
العلمية، أي ثقافة العلماء بحصر المعنى، أو ثقافة رجال الاقتصاد أو السياسة، أو
ثقافة الفيلسوف، فإننا يمكن أن نسميها"ثقافة الذوق" ولا مانع، بعد ذلك
من أن تجتمع لديه، أو تطلب منه، كل أنواع الثقافة المذكورة سابقا: ثقافة الكاتب
الأساسية والضرورية، هي ثقافة الذوق! ـ 2 ـ وبطيعة الحال، فإن الفنان، بحصر معناه
كذلك، يشترك مع كاتبنا الأديب في هذه الثقافة،لكنه لا ينتمي إليها ولا يمارسها كما
يمارسها كاتبنا، أعني بواسطة اللسان: بواسطة هذه اللغة يرتبط الكاتب الأديب مع
أنواع أخرى من الكتاب ،إلا أنه عن طريقها يختلف عن الفنان، فالفنان، ولو في المسرح
وفي السينما، لا يعتمد على اللسان اعتمادا كاملا وليس هو عالمه الوحيد. الأديب
يستعمل اللغة،وتستعمله اللغة، بواسطة الذوق .
لذلك
سبق أن قلنا إن الأدب هو فن التعبير عن الذوق بواسطة اللسان، أي لغة المجتمع الذي
ينتمي إليه الكاتب، بحيث يكون، مثلا، ما نسميه "الأدب المغربي"هو مختلف
الفنون التي تعبر عن الذوق في المغرب، إنتاجا وترويجا، بواسطة لسان، أو ألسنة، أهل
المغرب، على أن نفهم عبارة "فن"،في هذه الجملة، بمعناه الأولي، أي
التقنية، التي نقصد بها
الوسيلة الموصلة إلى غاية معنية، غاية مادية أو معنوية، وهي تقريبا ما كان يسميه
القدماء بالصنعة، لكي لا تختلط لدينا بالمعنى الآخر للفن، كما في عبارة الفنون
الجميلة، مثل الرسم والموسيقى، التي تستعمل " لغات" أخرى غير اللسان،
لأن هذه الأخيرة بدورها تعبير عن الذوق، فما المقصود إذن بالذوق، والحال هذه؟ وبعبارة أخرى ، إنه لا مانع من أن نتحدث، منذ الآن ، عن الأديب والفنان،
بصورة إجمالية، من خلال انتمائهما إلى
نفس الثقافة،"ثقافة الذوق،"شريطة ألا ننسى الحدود بينهما، عندما يتطلب الأمر ذلك، ليس فقط بين الأديب والفنان،
ولكن كذلك بين الأديب والأديب، فالشاعر ليس هو السارد ولا هو منظر الأدب ، كما أن النحات ليس هو الموسيقى
ولا هو الممثل أو
الرسام ، مثلا ولكن ثقافتهما، الأساسية مشتركة، ذات هدف واحد ومصدر واحد، أعني
الذوق،كيفما كانت الاختلافات بينهم، تلك الاختلافات الموجود مثلها لدى العلماء
كذلك إذ ليست العلوم المسماة "إنسانة" هي تلك المسماة "العلوم الحق"،
والفروق كثيرة بين فروع كل
واحدة منهما أيضا، بمعنى أن البيولوجيا، مثلا، ليست هي الفيزياء ولا الفيزياء،
التي هي الصياغة الرياضية للعالم، في أبسط معانيها، هي الرياضيات ذاتها. ومن الآن،
فصاعدا، يمكن أن نقصر"ثقافة الذوق" على الكاتب الأديب أو نجعلها تشمل
الفنان، كما نشاء! غير أني ، من أجل بساطة ووضوح هذا البحث، سأركز حديثي عن هذا
الذي أسميناه الكاتب الأديب ، أي عن الذوق في الأدب،موقتا، الأمر الذي لن يمنعني،
و أنا أتكلم عن الذوق، من التفكير في الأديب وفي الفنان معا ، حين أستعمل
كلمة"فن"، خاصة، التي يحلو للبعض أن يصف بها الأدب كذلك!
· في معنى الذوق :
قد
نحتاج ، في تعريفنا للذوق ،
وبالتالي لثقافة الذوق ، إلى
أن نأخذ بعين الاعتبار ثلاثة أوجه أو مستويات للذوق وإلى أن نميز بينها : الذوق
كحاسة- الذوق كملكة-الذوق كمنهج أو تفكير.سأكتفي بالمستويين الأولين لأنهما يفيان
بالغرض الذي أتوخاه ـ 3 ـ:
ا-
الذوق كحاسة، مما يسمى"الحواس الخمس"لدى الإنسان والحيوان، على حد سواء،
والحواس، كما يقال، خمس في العرف: البصر،والسمع، والشم،والذوق، واللمس، وهي كذلك
ما يسمى ب"الحواس الظاهرة:، أي تلك التي مهمتها جعل الكائن الحي يدرك ما يطرأ
على جسمه من تغيرات أو تأثيرات ، وهو يواجه أشياء العالم المحيط به ، أي انه تنشأ
عن هذه الحواس قدرة إدراك عامة، هي التي نسميها الحس،
وهو ، أي الحس، يرتبط كذلك بكل حاسة فيصير معناه الإدراك بإحدى الحواس الخمس، على أن نفهم من الإدراك المعرفة
المرتبطة بهذه الحواس الخمس، فنحن
نقول "المدارك الخمس"، بمعنى الحواس
الخمس، كما نقول الإدراك السمعي، أو البصري، أي المرتبط
بالسمع أو البصر، ما دام إدراكا مباشرا، أي يتم مباشرة بواسطة الحاسة التي يرتبط
بها. إذن الذوق، على هذا المستوى اللغوي، والعلمي، حس، إدراك حسي بواسطته نتعرف
على طعم الأشياء. و"الطعم، أو الأطعمة، ليس أكثر مما يدركه الذوق من طعام
وشراب، كالحلاوة والمرارة والحموضة وما بينهما". نحن نعرف كذلك، أو يمكن أن
نلاحظ بسهولة، وكما هو واضح في هذه الجملة، أنه يتعلق بما يؤكل ويشرب، بخصائص
الطعام والشراب، كالحلو والمر والحامض وما بينها من خواص أخرى.وبعبارة أوضح إن
الأمر يتعلق بخصائص الطعام والشراب كما يتعرف عليها الفم، خاصة بواسطة اللسان، إذن
مركز الذوق، كما هو معلوم، هو الفم، بالخصوص اللسان.
بقي
أن نلاحظ أن الإنسان، على هذا المستوى، لا يختلف كثيرا عن الحيوان، لو أنه ظل مجر
حيوان،وأن الذوق ، بواسطة اللسان، اللسان العضو، يلعب تقريبا نفس الدور سواء عند
الإنسان أو الحيوان: إنه يجعلنا ندرك بعض الخصائص الحسية للأطعمة ويجعلنا، بالتالي،نصنف هذه
الأطعمة ، نرتبها حسب معايير حسية معنية، وكذلك نفعل ، الحيوان ونحن ، بواسطة بقية الحواس الأخرى، وبمعايير حسية
معينة، مع خصائص حسية أخرى
.ومعنى هذا أن الذوق، مع
المدارك الأخرى، وباعتباره إدراكا حسيا وتصنيفا أوليا للأشياء، أي لعلاقاتنا الحسية والمباشرة مع المحيط، هو المصدر الأساسي للذة والألم، التي نتعرف عليها
بواسطة تلك الحواس، لكل ما نستطيب ونستقبح! يحتاج الأمر إلى دراسة عميقة وشاملة،
قد تكون كذلك طريفة، لمعرفة كيف أصبحت بعض الحواس تنوب عن الأخرى وتختصرها في استقباح
واستحسان خصائص الأشياء، أعني السمع والبصر واللسان ، غير أن الأطرف من ذلك
هو أن نبحث في الكيفية التي أدت إلى
أن أصبح الذوق ينوب عن كل هذه الحواس مجتمعة، الظاهرة
منها أو الباطنية، أي الحسية والمعنوية
، بمعنى كيف أعطت اللغة، أو الثقافة، هذه المهمة، مهمة التعبير عما نستحسن ونستقبح،
للذوق وحده: كيف يرتبط اللسان، اللغة، باللسان، الفم! إنني لا أعني بهذا، ومن باب التمثيل والتبسيط ، كيف صار اللسان، بمعناه الأصلي، أداتنا
لتخزين العالم وتقطيعه فقط، ولا كيف أصبح الفم، باللسان أو بدونه، مركزا للتعبير
عن أعمق وأوثق ما في الإنسان، كما هو الشأن ، من باب التمثيل كذلك، بالنسبة لبعض
الحركات البسيطة التي يقوم بها الإنسان، مثل القبلة التي نختصر بواسطتها كل
وجداننا ونصنف عن طريقها الناس إلى نصفين :أولائك الذين نقبلهم وأولئك
الذين لا يستحقون، أو لا يجوز بشأنهم التقبيل، فان مادة "قبل"، في القواميس،
لتحيلنا على عالم بأكمله، فيه القبل، القصد ،والقبل، ضد دبر، والقبل، الطاقة ،
والقبلة،اللثمة، والقبلة، الجهة، والقبلة، لدفع العين وجلب المحبة ، والقبول،
الرضي والميل، والقبيل، الجيل
والجماعة والأتباع، والقبيلة ، الجماعة ممن ينتسبون إلى أب أو جد واحد، الخ…عالم متكامل من علاقات الترابط والقربى والتكافل والانسجام كلها تمر عبر
علاقات بالفم وتترجم بواسطته، وكان الفم مرادف للدم هاهنا أو لشيء شبيه بالطوطم!
ولكن
ما علينا من هذا ولنتركه إلى القبيلة والحيوان وتراجمة الأشواق والمحبة فما يهمنا
فيه غير الاستحسان والاستقباح، أي ما فيه من علاقة مع الذوق الذي يعنينا الآن في
علاقته مع الأدب، بصفته خاصة، ومع الفن، بصفة عامة، وبعبارة أخرى، إن ما نسميه
الذوق، على هذا المستوى الأخير، وكيفما كانت علاقته بالمستوى الأول، الطبيعي، قد أصبح يعني
شيئا آخر تماما، هو ما نسميه
الذوق في علاقته بالفن أو الذوق كملكة جمالية، وليس فقط كحاسة، وينبغي، من الآن
فصاعدا، ألا نفهم الذوق، في هذا البحث، بغير هذا المعنى، فما هو الذوق على هذا
المستوى؟
.الذوق كملكة جمالية
الذوق
كملكة، وليس كمجرد حاسة، من إنتاج الثقافة، لا الحيوانية، كيفما كانت علاقته مع
هذه الحيوانية، أعني أنه شيء يخص الإنسان وحده، ولا يشترك فيه مع الحيوان، على عكس
ما عليه الأمر في الذوق كحاسة. فالذوق، على هذا المستوى، هو الملكة، أو القدرة
الخاصة، التي يملكها الإنسان، لإنتاج الجمال أو تلقيه، لخلقه أو تذوقه، للاستحسان
أو الاستقباح، بدون تغليب لأي عنصر خارجي، مثل الأخلاق! موضوع الذوق، ومادته، وقصده الجمال، فما هو الجمال؟
مفهوم الجمال:
يمكن
أن نختصر الجواب فنقول:
الجمال هو كل ما ينتجه الإنسان، أو فقط يطلبه، خارج دائرة المنفعة أو الغرض، بمعنى
كل شيء يخلق، أو يراد، لذاته، بدون أن يكون الهدف منه تلبية حاجة، من تلك الحاجات
الأولية لدينا، كالمنفعة المادية، أو الاقتصادية ( لاستهلاك) أو ما هو ضروري
للمحافظة على النوع والبقاء( الأكل والشرب والجنس) أو المصالح الاجتماعية( الوجاهة
والجاه) أو الاستهلاكية ( الدعاية والإشهار) وغيرها من المنافع، والمصالح، سواء
كانت فطرية أو مكتسبة بفضل الحضارة والتقدم. إن أبسط أنواع التعبير عن هذا المفهوم
للجمال، أو أولى تجلياته، في التاريخ البشري، هي تلك الأشياء، أو الوظائف، التي
أضافها الإنسان إلى الحاجة، أو الضرورة، كل ما هو " زائد" أو فائض، من
منظور تلك الحاجة أو الضرورة، مثل النقوش والرسوم، والأشكال، التي نضيفها إلى
الأواني، مثلا، والملابس، والبيوت، طبخ الطعام وتقديمه بأشكال معينة، فهذه الأشياء
ليست مرتبطة، ضرورة، بالغرض، أو الحاجة، ليست إلزامية للوظائف الأصلية، أو الأولية، ولا لتحقيقها وإشباعها،
الخ...كما أننا عندما نغير هذه الوظيفة الأصلية، كأن نجعل من إناء حليب مزهرية،
نكون في مجال جمال، نظيف إلى ذلك الإناء وظيفة جمالية. ولقد استطاع الإنسان أن
يخطو الخطوة الحاسمة في خلق الجمال، والتمتع به، عندما بدأ ينتج أشياء خالية
تماما، أو تكاد، وعلى الأقل من ناحية القصد والنية، من تلك الأغراض والحاجات،
للزينة فقط، لمتعة البصر أو السمع، للتذوق وحده. فلقد نشأ الفن والأدب لغاية
جديدة، وبملكة حولت عن وظيفتها الأولية، كحاسة، أي بواسطة الذوق: إنتاج المتعة
والاستمتاع، كما تتجلى في النصوص الأدبية، بدءا بالأسطورة، وفي مختلف الفنون الأخرى،
من عمارة، ونحت، وموسيقى، ورسم، وغيرها. وإن كانت الكثير من هذه الفنون قد اقترنت
بالدين، أو حوربت من طرفه، فبسبب هذا الجمال ذاته، بسبب سحره وفتنته، حيت قد يضاهي الجليل، موضوع الدين، وقد يلتقي ويتعاون معه، ولكن،
وفي جميع الأحوال، لا يخرج، في أصليته، عن التوجه، من الذوق وإليه، من دون طلب غرض
أو حاجة! هكذا نشأ الفن، في الأصل، والأدب على الخصوص، إرضاء لحاجات إضافية، زائدة عن الحاجات الأولية، نشأ كصنعة،
قد تمارس مع صناعات أخرى، مرتبطة بأغراض أو منافع، أو كصناعة تمارس وحدها، بحيت
نستطيع أن نميزها كصناعة مختلفة،
فريدة، ومستقلة، فنقول: هذا شعر، هذا رسم، هذا غناء، أو رقص، الخ...ولا ينبغي أن
ننسى أن حتى الشعراء، مثلا، الذين كانوا يوظفون شعرهم في المديح أو غير كانوا، في
نفس الوقت، يتنافسون حول من يكتب أجمل قصيدة! والأمر الأساسي، من هذه الزاوية، أي
زاوية ثقافة الأديب، أو الفنان، هو هذه الصنعة نفسها التي لا يمكن أن تتعلم خارج
" المعمل"، أو " المختبر"، الخاص بها، فأنا لا أستطيع تعلم
الرقص، البالي أو الفلامنكو، مثلا، كفن قائم الذات، ويتطلب إتقانا كبيرا، إلا في
" مدرسة" هذا الفن، أو في " مختبره"، ولا أحد اليوم بمقدوره
أن يكتسب مهارة فن تشكيلي، خارج " المتحف" ،أو فن الموسيقى، خارج" المعهد"،
أي بدون أن يكتسب تلك الصنعة من أهلها، وأن "يتتلمذ" عليهم، بشكل
مباشر أو غير مباشر، إلى أن يصبح قادرا على الاستقلال عنهم، أهلا لممارسة "
المهنة" بما يكفي من المهارة والحذق والخبرة، بحيت يصبح واحدا منهم، من صناع
الذوق!
حينئذ
يصبح الذوق لدى المرء ثقافته الخاصة، وعيه وخبرته ومهارته، لكنه لا يكتسبه إلا من
ثقافة الذوق، أي من أهل الصنعة وإنتاجهم، ولو أن التلمذة المباشرة على
"معلم" بعينه ليست ضرورية، فالمهم هو اكتساب الذوق كثقافة ومهارة أو خبرة
من "المدرسة"، بمعناها الواسع، أي بالمعنى الذي نستطيع به القول عن
المتحف مثلا إنه مدرسة. ولذلك فإن ثقافة الذوق لدي الكاتب الأديب بدوره لا يمكن أن تأتيه من خارج هذه "المدرسة "،
مدرسة النصوص الأدبية، وليس بمقدور ناقد أو شاعر أو سارد أن يكون كاتبا أديبا حقا
خارج هذه المدرسة، سيكون أي شيء إلا كاتبا أديبا لأن ثقافة الذوق تنقصه، الثقافة
الأولية، أو الضرورية، غائبة من تكوينه ولا يمكن لأي علم، من علوم الأدب أو غيرها،
أن يعوض هذا النقص ليجعل منه كاتبا أديبا، كما لو أن بإمكاني أن أقرأ نظرية، في
الرواية مثلا، لأكون قادرا على كتابة رواية أو ليصبح في إمكاني أن أكتب نقدا أدبيا
عن الرواية من غير أن أكون
قارئا للرواية! وقد يعتبر البعض أن هذا الكلام كله، إذا صح شيء منه، لا يصح إلا
على الكاتب، بمعنى الشاعر والسارد، في هذا السياق، ولا علاقة له بالناقد أو الدارس لأن النقد أصبح
علما ولأن العديد من العلوم قد
أصبح يمد الناقد بما يشاء من
وسائل المقاربة والدراسة، والكثير منها شامل ومحيط ودقيق يوفر لصاحبه ما يكفي من دراية ومهارة لا يمكن أن يصمد في
وجهها أي نص أدبي كيفما كان إلى درجة أن كاتب هذه الكلمات قد يبدو، من
هذه الناحية، تقليديا ومتخلفا عن الوقت. والواقع أن كلامنا
هذا قد يهم الكاتب الناقد أكثر مما يهم الكاتب الأديب، السارد أو الشارع، لأسباب
قد تعمل عناصر كثيرة على إخفائها في الوقت الراهن على ثقافتنا التي تجري بكل ما
لديها من طاقة من لأجل الانخراط في الحداثة ،فهما وتوظيفا:
-الأديب،
بفعل صنعته أو طبعه، ميال أكثر إلى قراءة النصوص الأدبية، ومنطلقه الأساسي هو أن يخرج
منها، من معطف النوع الذي يكتب فيه ، وإن كانت الموضة، أو المهنة ، تهدده بغير
ذلك، بينما الناقد ميال أكثر إلى قراءة العلوم وما يستجد فيها، بسبب طبيعة ممارسته التي تتطلب نوعا من الإقناع
العلمي !
- لا يمكن أن يلوم أحد أديبا لأنه لا يعرف
آخر ما استجد في العلوم، ولا حتى في النوع أو الجنس الذي يكتب فيه، بينما يستحيل
أن نتصور ناقدا يكتب عن الشعر، مثلا، وهو لا يعرف منه إلا ما قل ودل!
- إن الذوق ليس فقط ملكة لإنتاج الجميل وتذوقه، ولكن لفهمه، وإلا فلنتصور
"عالما سينمائيا" يكتب عن السينما وهو لم يشاهد أهم الأفلام
السينمائية،تسمية "العالم" نفسها ستكون مفارقة أو دعابة! بهذا المعنى يمكن القول إن الذوق،
بالإضافة إلى كونه حاسة وملكة، منهج كذلك، أي رؤية
للكون، هو منهج الناقد، حيث ترتبط تلك الرؤية بإجراءات وأدوات، هو بصيرة الكاتب،
كما هو بصيرة المتلقي، هو الأساس، والباقي كله ينضاف إليه ليكمله ويقويه، وليس
لينوب عنه أو يهمشه!
ـ في كل نوع أدبي، أو
فني، شيء من " العلم"، لا بمعنى الصنعة، والرؤية، و المنهج، الذي أشرنا
إليه من قبل، ولكن بالمعنى " المبتذل"، أي ذل
العلم الذي يبرع فيه صانعو المستنسخات، مثل بعض كتاب Les best sellers وبعض كتاب
الرواية البوليسية أو " صحافة القلب"، أو " الرصيف"، والعديد
من صناع الأغاني وكلماتها، وفئة لا بأس بها من " منظري الكلام"، غير أن
هذه " العلوم"، أو " الصنائع" خالية من الإبداع، وأبعد ما
تكون عنه، كما يمكن تعريفه في أبسط صوره: إنتاج شيء جديد، نسبيا، أي جميل، مما هو
موجود أو سائد!
وعلى كل حال، يكفينا من
كل ما سبق القول، و من باب الخلاصة أو التذكير، إن الأدب هو حرفة التعبير عن
الذوق، وصناعته، عن طريق اللسان، بينما الفنون الأخرى كل واحد منها يعبر عنه، أو
يصنعه، عن طريق لغته الخاصة،
لكنها جميعها، الفنون و الآداب، تلتقي في مهمة صناعة الذوق هذه التي لا تطلب، على
الأقل كهدف أول، سوى إنتاج الجميل! من هنا أهمية اللغة، في هذا الموضوع: كيف تستغل
اللغة في الأدب، وفي كل فن من فنونه، لتعبر عن الذوق وتنتج الجمال، هل تظل وظيفتها
هي التواصل، وكيف ترتب الوظائف الأخرى، الجمالية والتعبيرية؟ كيف نعبر عن الذوق
نحن هنا في المغرب وكيف نطوره عن طريق هذه اللغة والأدب؟ أية لغة نستعمل، أو ينبغي أن نستعمل، أية
مستويات لغوية وأية سجلات؟ الخ...ـ 3 ـ يحتاج الأمر إلى دراسات أخرى، فلنعد الآن
إلى السؤال الذي توخينا توضيحه في بداية هذا البحث: من هو الكاتب، ذلك الذي نسميه
كذلك الأديب، بصفة عامة، أو نخصصه فنقول الشاعر أ و الروائي أو الناقد؟إنه كل من
يساهم، عن طريق لسان ثقافته، في التعبير عن الذوق وإنتاج الجمال، سواء كان دارسا،
ناقدا، أو ساردا، أو شاعرا! أما الأدب فهو صناعة الذوق عن طريق اللسان ذاته!
ونحن عندما نقول إن
ثقافة الأديب، الأساسية والضرورية، هي ثقافة الذوق لا نعني أكثر من أنه يستمد،
رؤيته، وبصيرته، أو حدسه،
وصنعته من هذه الثقافة وأنه، كيفما كانت أهمية المجالات الثقافية الأخرى، فإنها لا
يمكن أن تكون إلا مساعدة بينما لا يستطيع أن يلج عالم الجمال إلا من ثقافة الذوق
وصناعته، وهذه من الصعوبة، والدقة الحرفية، بحيث يصعب عليه، إلا في ما ندر، أن
يتقن أكثر من نوع منها!
ومعنى ذلك أننا لا نخرجه
لا من دائرة " الثقافة النضالية"، التي هي ثقافة السياسيين والنقابيين،
بحصر المعنى، ولا من " ثقافة الوعي"، التي يشترك فيها مع الكثيرين، ولا
من " ثقافة الأخلاق والالتزام"، التي تجب عليه كمواطن، و لا نحكم على
هذه أو تلك بالدونية أو اللاجدوى، فإننا لا نقوم بتحليل أخلاقي، أو ديني، أو قيمي،
ولكن نسعى إلى تمييز الوظائف بعضها عن بعض حتى لو كانت متداخلة أو قابلة للتداخل
فيما بينها!
وهكذا فإن الأديب، وكأي
صانع آخر، لا يمكنه أن ينسى صنعته، وخصوصياتها، أو يعوضها، أو يبرر عيوبها من
خارجها، ونحن، في هذه الحالة، لا نطلب من أديب ، أو ننتظر منه، أكثر مما ننتظره من موسيقي، أو نحات،
أو رسام، أو مصور ، ولا أكثر مما نطلبه من عداء، أو لاعب كرة قدم، أو من نجار، أو
بناء: المهارة والإتقان في العمل الغاص به، ويمكنه، مع هذا العمل، إذا شاء، أو
استطاع، أن يمارس كل ما يريد من الأعمال الأخرى بإتقان ومهارة أو بدونهما!
لهذا نؤكد، في النهاية،
على أن كاتب الأدب أديب، سواء كان ساردا أو شاعرا أو دارسا، وأن الأدب هو صناعة
الذوق، وأن الذوق ينتج الجمال، وأن ذلك يتم، بداهة، في الأدب، بواسطة اللسان، لسان
ثقافة الكاتب!